{كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) }
قوله: {كَلاَّ} ردع وزجر، أي: بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة، ثم استأنف، فقال: {إِذَا بَلَغَتِ التراقى} أي: بلغت النفس أو الروح التراقي، وهي جمع ترقوة، وهي عظم بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت، ومثله قوله: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم} [الواقعة: 83] وقيل: معنى {كَلاَّ} : حقاً، أي: حقاً أن المساق إلى الله إذا بلغت التراقي، والمقصود: تذكيرهم شدّة الحال عند نزول الموت.
قال دريد بن الصمة:
وربّ كريهة دافعت عنها ... وقد بلغت نفوسهم التراقي
{وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} أي: قال من حضر صاحبها: من يرقيه ويشتفي برقيته؟.
قال قتادة: التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئًا، وبه قال أبو قلابة، ومنه قول الشاعر:
هل للفتى من بنات الموت من واقي ... أم هل له من حمام الموت من راقي
وقال أبو الجوزاء: هو من رقى يرقى إذا صعد، والمعنى: من يرقى بروحه إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقيل: إنه يقول ذلك ملك الموت، وذلك أن نفس الكافر تكره الملائكة قربها {وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق} أي: وأيقن الذي بلغت روحه التراقي أنه الفراق من الدنيا ومن الأهل والمال والولد.
{والتفت الساق بالساق} أي: التفت ساقه بساقه عند نزول الموت به.
وقال جمهور المفسرين: المعنى تتابعت عليه الشدائد.
وقال الحسن: هما ساقاه إذا التفتا في الكفن.
وقال زيد بن أسلم: التفت ساق الكفن بساق الميت.
وقيل: ماتت رجلاه ويبست ساقاه ولم تحملاه، وقد كان جوّالاً عليهما.
وقال الضحاك: اجتمع عليه أمران شديدان: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه.
وبه قال ابن زيد.
والعرب لا تذكر الساق إلاّ في الشدائد الكبار والمحن العظام، ومنه قولهم: قامت الحرب على ساق.