وقال الشيخ سيد قطب:
التعريف بسورة القيامة
هذه السورة الصغيرة تحشد على القلب البشري من الحقائق والمؤثرات والصور والمشاهد , والإيقاعات واللمسات , ما لا قبل له بمواجهته ولا التفلت منه. . تحشدها بقوة , في أسلوب خاص , يجعل لها طابعا قرآنيا مميزا , سواء في أسلوب الأداء التعبيري , أو أسلوب الأداء الموسيقي , حيث يجتمع هذا وذاك على إيقاع تأثير شعوري قوي , تصعب مواجهته ويصعب التفلت منه أيضا!
إنها تبدأ في الآيتين الأوليين منها بإيقاع عن القيامة , وإيقاع عن النفس: (لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة) . . ثم يستطرد الحديث فيها متعلقا بالنفس ومتعلقا بالقيامة , من المطلع إلى الختام , تزاوج بين النفس وبين القيامة حتى تنتهي. وكأن هذا المطلع إشارة إلى موضوع السورة. أو كأنه اللازمة الإيقاعية التي ترتد إليها كل إيقاعات السورة , بطريقة دقيقة جميلة. .
من تلك الحقائق الكبيرة التي تحشدها هذه السورة في مواجهة القلب البشري , وتضرب بها عليه حصارا لا مهرب منه. . حقيقة الموت القاسية الرهيبة التي تواجه كل حي , فلا يملك لها ردا , ولا يملك لها أحد ممن حوله دفعا. وهي تتكرر في كل لحظة , ويواجهها الكبار والصغار , والأغنياء والفقراء , والأقوياء والضعاف , ويقف الجميع منها موقفا واحدا. . لا حيلة. ولا وسيلة. ولا قوة. ولا شفاعة. ولا دفع. ولا تأجيل. . مما يوحي بأنها قادمة من جهة عليا لا يملك البشر معها شيئا. ولا مفر من الاستسلام لها , والاستسلام لإرادة تلك الجهة العليا. . وهذا هو الإيقاع الذي تمس به السورة القلوب وهي تقول: (كلا! إذا بلغت التراقي , وقيل: من راق ? وظن أنه الفراق. والتفت الساق بالساق. . إلى ربك يومئذ المساق) . .