[من روائع الأبحاث]
(فصل: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
قال المؤيد بالله:
سورة القيامة
(كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ(26)
فحذف فاعل بلغت والغرض النفس، وليس مضمرا لأنه لم يتقدم له ظاهر يفسره، وإنما دلت القرينة الحالية عليه، لأنه في ذكر الموت ولا يبلغ التراقى عند الموت إلّا النفس.
(وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ(29) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (30)
[المذيّل]
بالذال المعجمة، وهو أن تجيء الكلمتان متجانستي اللفظ متفقتي الحركات والزنة، خلا أنه ربما وقع بينهما مخالفة، ثم تلك المخالفة على وجهين، الوجه الأول منهما أن تختص إحدى الكلمتين بحرف يخالف الأخرى من عجزها، ومثاله قولهم فلان سال من أحزانه، سالم من زمانه، حام لعرضه، حامل لغرضه، فآخر سال يآء، وآخر سالم ميم، مع اتفاقهما فيما عدا ذلك من الحروف والحركات، ومن ذلك ما قاله أبو تمام:
يمدّون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب
فآخر عواص ياء، وآخر عواصم ميم، وآخر قواض ياء، وآخر قواضب الباء، ومن ذلك ما قاله البحتري:
لئن صدفت عنا فربّت أنفس ... صواد إلى تلك النفوس الصّوادف
فآخر صواد هي الياء، وعجز صوادف الفاء، مع اتفاقهما فيما عدا ذلك، الوجه الثاني أن تختلف الكلمتان من أولهما، ومثاله قوله تعالى: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ(29) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (30)
فلم يختلف الساق والمساق إلا بزيادة الميم في المساق.
فزيادة الميم في المساق هو الذي أوجب كونه جناسا ناقصا، وهذا يقال له «المذيّل» أيضا، ومنه «المصحّف» وهو أن تتفق الكلمتان خطا لا لفظا، ومثاله قوله تعالى (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً(104) [سورة الكهف: 104]
ومنه «المضارع» وهو أن تتفق الكلمتان في حرف واحد، سواء وقع أولا أو آخرا أو وسطا، ومثاله قوله تعالى (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ) [سورة النساء: 83] فقد اتفق الأمر والأمن، في الهمزة والميم.
ومنه «المتوازن» وهو أن تتفق الكلمتان في الوزن ويختلفا فيما عداه، ومثاله قوله تعالى: (وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ(15) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) [سورة الغاشية: 15 - 16]
ومنه «المعكوس» ومثاله قوله تعالى: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40) [سورة يس: 40]
ومعنى العكس في هذا أنه يقرأ من آخره كما يقرأ من أوله ونحو قوله تعالى: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3) [سورة المدثر: 3]