سورة القيامة
الغرض في هذه السورة: إثبات الإعادة بعد البداية، وإثبات الكسب للعبد، وتصحيح إضافة الفعل إليه مع إحراز العلم بتحقيق القدر، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه لا شيء إلا بمشيئة الله ولذلك - وهو أعلم - أقسم بقسمين:
-أحدهما: يوم القيامة، إذ كانت الإعادة يحل أجلها بها.
-وبالنفْس اللوامة؛ إذ المؤمن يلوم نفسه على إتيان المعاصي وجنايات
الزلات، ويحمد ربه في تقديره ذلك عليه ويستغفره من ذنبه، والكافر يحمد نفسه
ويلوم ربه ويصر على ذنبه ويستمر على فعله، فأقسم الله بخيرهما وأفضلهما.
وغرض ثالث: هو الإعلام بأن القرآن منزل من عند الله - جلَّ ذكره - قولاً
ومعنى، لا كسب فيه للرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا الاستماع له والوعي والتبليغ، ولما كان القرآن
كله كسورة واحدة، وتقدم فيما تلاه علينا إنكار المنكرين للإعادة، وأبعدوا أن
يصفوا الله تعالى بالقدرة على إحيائهم في حال كونهم رميمًا وترابًا، كان معنى
استفتاحه السورة ب"لا"في القسمين نفيًا لما زعموه، وتكذيبًا لظنهم الذي ظنوه.
ثم أظهر ذلك بقوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ(3) .
ثم قال: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ(4) . البنان: هي أصابع اليدين،
والبنان: أعضاء الإنسان.
يقول - عز من قائل: أأعظمتم جمعنا عظامكم البعض منها إلى البعض،
وجلب مواد الخلقة إليها التي انتزعناها عنها حال البلاء مدة فنائها، بلى ونحن
قادرون على تسويته خلقًا سويًّا بالحكمة التي أوجدناها عليه والقدرة التي بها قدرنا
على أول خلقها.
نظم بذلك قوله: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ(5) . إن كان الضمير
الذي في قوله: (أَمَامَهُ) راجعًا إلى الإنسان، فمعناه: تقديمه المعصية وتأخيره
التوبة، من قولهم: مضى فلان على وجهه، أي: على غير مقصد ولا إلى مبلغ يبلغه،
وإن كانت راجعة على الله - جلَّ ذكره - فمعناه: بل يريد الإنسان ليفجر أمامه، أي:
بين يدي الله وبمشاهدة منه، وحذف هنا كلامًا معناه ما عبر عنه، ويطمع ألا يأخذه به