قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ} قالوا: يعني أبا جهل. {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} هملاً، مهملاً، لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يوعظ في الدنيا, ولا يحاسب بعمله في الآخرة. (والسدى معناه في اللغة: المهمل، يقال: أسدَيْت إبلي إسداءً أهملتها، والاسم: السُّدَى .. ذكر ذلك(أبو عبيد) ، (عن أبي زيد) ، والأشبه بالمعنى في {سُدًى} ، أي: مهملًا لا يبعث. يدل عليه قوله في الدلالة على البعث: {أَلَمْ يَكُ} ، أي: هذا الإنسان. {نُطْفَةً} ، أي: ماءً قليلاً، يعني في ابتداء خلقه. {مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} أي تصب في الرحم، وذكر الكلام في {مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} عند قوله: {مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) } [النجم: 46] ، وقوله: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) } [الواقعة: 58] . وفي (يُمنى) قراءتان: التاء، والياء، (فالتاء للنطفة على تقدير: ألم تك نطفة، يمنى من المني. والياء) للمني، كأنه: من مني يمنى، أي يقدر خلق الإنسان منه.
{ثُمَّ كَانَ} الإنسان {عَلَقَةً} بعد النطفة. {فَخَلَقَ} يعني: فنفخ فيه الروح، وسوّى خلقه. قاله ابن عباس، ومقاتل. {فَجَعَلَ مِنْهُ} من الإنسان بعد ما سواه خلقًا سويًّا، خلق من مائه أولادًا (له) ؛ ذكورًا، وإناثًا. وهو قوله: {الزَّوْجَيْنِ} يعني: الصنفين. ثم فسرهما فقال: {الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} .
(قوله) : {أَلَيْسَ ذَلِكَ} الذي فعل هذا. {بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} ، وهذا تقدير لهم أن من قدر على الابتداء قدر على البعث بعد الموت، وذلك إشارة إلى الفاعل المضمر في قوله: {فَخَلَقَ فَسَوَّى} وهو الله تعالى، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ هذه الآية قال:"سبحانك اللهم فبلى".
وقال ابن عباس: إذا قرأت هذه السورة (فقلت) : {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) } [فقل] : اللهم ربنا فبلى. (والله أعلم بالصواب) . انتهى انتهى {التفسير البسيط. 22/ 528 - 530} .