وقيل إنما أقسم بها لِمَا فيها من عظيم القدرة لله، وكل قَسَمٍ أقسم الله به في كتابه فإنه بمخلوقاته، إلاَّ في خمسة مواضع فإنه أقسم فيها بنفسه.
الأول: قوله {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الذاريات: 23] .
الثاني: قوله {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس: 53] .
الثالث: قوله {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} [النساء: 65] .
الرابع: قوله {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: 7] .
الخامس: قوله {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [المعارج: 40] .
والنكتة العظمى والفائدة الكبرى في ذكره لهذا القسم الخامس بإدخال حرف"لا"فيه أن يكون مساق قسمه فيه بنفسه مساق قسمه بمخلوقاته، لئلا يظن مقصر أنها زائدة، وذكر القول في تلك الأقسام على تقدير محذوف كما تقدم، فإن هذا كله ممتع في قوله {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} وهو شاف كاف لكل متكلف رمى بالقول في تلك الآيات من حيث لم يعلم، فافهموه ترشدوا، وَتَيَقَّنُوا أنها ليست بنفي، ولا برادّة لكلام متقدم، فقد رده قوله: {كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} [المعارج: 39] .
ثم قال: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} .
وأنا أقول إنه لو أقسم بها مقسم لما أقسم بها إلاَّ بالصيغة التي ذكر الله، مثل أن يقول: لا أحْلِف بمواقع النجوم أنه لقد كان كذا وكذا ... والصحيح الاقتداءُ بقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ باللهِ أو ليَصْمُت" (1) .
فقد أقسم الله بما أقسم، فقوله الحق، وَأمرَ النبي بما أمرَ، وَشَرْعُهُ متبع، وَيَحِقُّ للنفس أن تُعَظَّمَ فَإِنَ لها خصالًا وصفاتٍ، وهي جادة المعرفة وطريق التوحيد، وبينها وبين الجسد منازعات. انتهى انتهى {قانون التأويل، لابن العربي. ص: 486 - 493} ...
(1) أخرجه بهذا اللفظ البخاري في الشهادات: 3/ 162.