ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
سورة المزمل
{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) }
فإن قلت: إيصال الألم والضرر إلى الصبيان يوم القيامة غير جائز بل هم لكونهم غير مكلفين معصومون محفوظون عن كل خطر؟
قلت: قد يكون في القيامة من هيبة المقام ما يجثوا به الأنبياء عليهم السلام على الركب، فما ظنك بغيرهم من الأولياء والشيوخ والشبان والصبيان؟ وفي الآية مبالغة، وهي أنه إذا كان ذلك اليوم يجعل الولدان شيبًا، وهم أبعد الناس من الشيخوخة لقرب عهدهم بالولادة، فغيرهم أولى بذلك. وإما محمول على التمثيل بأن شبه اليوم في شدة هوله بالزمان الذي يشيب الشبان لكثرة همومه وأهواله.
{السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18) }
وإنما قال: {مُنْفَطِرٌ} ولم يقل: منفطرة لتنزيل السماء منزلة الشيء، لكونها قد تغيّرت، ولم يبق منها إلا ما يعبر عنه بالشيء. وقال الفراء: السماء تذكر وتؤنث. وقيل: غير ذلك. وقيل: الضمير في {بِهِ} عائد إلى الله؛ أي: منفطر بالله، والمراد منفطر بأمره تعالى. والأول أولى.
واعلم: أن الله ذكر من هول ذلك اليوم أمرين:
الأول: قوله تعالى: {يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} .
والثاني: قوله: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} ؛ لأن السماء على عظمتها وقوتها إذا انشقت بسبب ذلك اليوم، فما ظنك بغيرها من الخلائق؟ فالباء للسببية، وهو الظاهر. وتذكير الخبر لإجرائه على موصوف مذكر؛ أي: شيء منفطر، عبر عنها بذلك للتنبيه على أنه تبدلت سقيفتها، وزال عنها اسمها ورسمها، ولم يبق منها إلا ما يعبر عنه بالشيء. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان، لمحمد الأمين الهرري} ...