الثاني: دعوتهم ليلاً ونهاراً إلى عبادتك.
{فلم يَزدْهم دُعائي إلاّ فِراراً} يحتمل وجهين:
أحدهما: إلا فراراً من طاعتك.
الثاني: فراراً من إجابتي إلى عبادتك.
قال قتادة: بلغنى أنه كان يذهب الرجل بابنه إلى نوح ، فيقول لابنه: احذر هذا لا يغرنك فإن أبي قد ذهب بي غليه وأنا مثلك ، فحذرني كما حذرتك.
{وإنِّي كلما دَعَوْتُهم لِتَغَفِرَ لهم} يعني كلما دعوتهم إلى الإيمان لتغفر لهم ما تقدم من الشرك.
{جعلوا أصابعهم في آذانهم} لئلا يسمعوا دعاءه ليؤيسوه من إجابة ما لم يسمعوه ، قال محمد بن إسحاق: كان حليماً صبوراً.
{واستغْشَوا ثيابَهم} أي عطوا رؤسهم وتنكروا لئلا يعرفهم.
{وأَصَرُّوا} فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه إقامتهم على الكفر ، قال قتادة: قدماً قدماً في معاصي اللَّه لالتهائهم عن مخافة اللَّه حتى جاءهم أمر اللَّه.
الثاني: الإصرار: أن يأتي الذنب عمداً ، قاله الحسن.
الثالث: معناه أنهم سكتوا على ذنوبهم فلم يستغفروا قاله السدي.
{واستكْبَروا استكباراً} فيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك كفرهم باللَّه وتكذيبهم لنوح ، قاله الضحاك.
الثاني: أن ذلك تركهم التوبة ، قاله ابن عباس ، وقوله"استبكارا"تفخيم.
{ثم إنّي دَعْوتُهم جِهاراً} أي مجاهرة يرى بعضهم بعضاً.
{ثم إني أعْلَنْتُ لهم} يعني الدعاء ، قال مجاهد: معناه صِحْتُ.
{وأسَرَرْتُ لهم إسْراراً} الدعاء عن بعضهم من بعض ، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه دعاهم في وقت سراً ، وفي وقت جهراً.
الثاني: دعا بعضهم سراً وبعضهم جهراً ، وكل هذا من نوح مبالغة في الدعاء وتلطفاً في الاستدعاء.
{فقلتُ استغْفِروا ربّكم إنّه كان غَفّاراً} وهذا فيه ترغيب في التوبة ، وقد روى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الاستغفار ممحاة للذنوب".
وقال: الفضيل: يقول العبد استغفر اللَّه ، قال: وتفسيرها أقلني.