قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)
اختلف في تأويل الهلوع من وجوه، كل يرجع إلى معنى واحد:
فقَالَ بَعْضُهُمْ: الطامع في اللذات، الطالب لها، والكاره للأثقال، الهارب منها.
وقيل: (خُلِقَ هَلُوعًا) ، أي: على حب ما يتلذذ به، والقيام بطلبه وبغض ما يتألم به، والهرب عنه.
ومنهم من يقول: الهلوع: الضجور؛ وهو موافق للتأويل الأول؛ لأن الذي يحمله على الضجر هو ما يصيبه من الألم؛ فيضجر لذلك أو يضجر عن حق اللَّه تعالى.
ومنهم من يقول: تفسيره ما ذكر على أثره من قوله: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) وهذا - أيضا - مثل الأول؛ لأن الذي حمله على المنع شدة حبه إياه، والذي حمله على الجزع ما مسه من الضر والشر، فجزعت نفسه لذلك؛ لأنها أنشئت نافرة عن الضر ومبغضة له، وقال اللَّه تعالى: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) ، وقال في موضع آخر: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) ، أي: لا يسخو على إخراج ما في يديه.
ففي هذه الآيات إنباء أن الإنسان خلق على هذه الأحوال: قتورا عجولا، هلوعا، فلما أنشئ على حب ما ينفعه وبغض ما يكرهه ويتألم به، علم أنه خلق على هذه الأحوال؛ للمحنة، فمن تذكر فيما وعد اللَّه تعالى من النعم لمن قام بوفاء ما أمره به، حمله ذلك على التسارع في الخيرات وترك ما يحبه في الدنيا؛ لينال الموعود في الآخرة؛ إذ هو في الأصل أنشئ محبًّا لما يتلذذ به، ومن تذكر ما أوعد من العذاب بما يعطي نفسه من الشهوات من معاصي اللَّه تعالى، وبما يمنع من حقوق اللَّه تعالى الواجبة في ماله، سهل عليه ترك الشهوات، وخف عليه بذل ما طلب منه؛ لئلا يحل به ما ينغص بعيشه من الآلام والأوجاع والمكاره.