{وَلَوْ تَقَوَّلَ} مُحَمَّدٌ {عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ} الْبَاطِلَةِ، وَتَكَذَّبَ عَلَيْنَا {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ}
يَقُولُ: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْقُوَّةِ مِنَّا وَالْقُدْرَةِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ نِيَاطَ الْقَلْبِ.
وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُعَاجِلُهُ بِالْعُقُوبَةِ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ بِهَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى مِنْ يَدَيْهِ؛ قَالُوا: وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلٌ، وَمَعْنَاهُ: إِنَّا كُنَّا نُذِلُّهُ وَنُهِينُهُ، ثُمَّ نَقْطَعُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَتِينَ؛ قَالُوا: وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَقَوْلِ ذِي السُّلْطَانِ إِذَا أَرَادَ الِاسْتِخْفَافَ بِبَعْضِ مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ لِبَعْضِ أَعْوَانِهِ، خُذْ بِيَدِهِ فَأَقِمْهُ، وَافْعَلْ بِهِ كَذَا وَكَذَا قَالُوا: وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} أَيْ لَأَهَنَّاهُ كَالَّذِي يُفْعَلُ بِالَّذِي وَصَفْنَا حَالَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ الْوَتِينَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ: {الْوَتِينَ} قَالَ: حَبْلُ الْقَلْبِ الَّذِي فِي الظَّهْرِ
[عن] الضَّحَّاك، فِي قَوْلِهِ: {لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} وَتِينَ الْقَلْبِ: وَهُوَ عِرْقٌ يَكُونُ فِي الْقَلْبِ، فَإِذَا قُطِعَ مَاتَ الْإِنْسَانُ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْوَتِينُ: نِيَاطُ الْقَلْبِ الَّذِي الْقَلْبُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَإِيَّاهُ عَنَى الشَّمَّاخُ بْنُ ضِرَارٍ التَّغْلِبِيُّ بِقَوْلِهِ:
[البحر الوافر]
إِذَا بَلَّغْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي ... عَرَابَةَ فَاشْرَقِي بِدَمِ الْوَتِينِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَا مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ أَحَدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، فَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، حَاجِزِينَ يَحْجُزُونَنَا عَنْ عُقُوبَتِهِ، وَمَا نَفْعَلُهُ بِهِ.
وَقِيلَ: حَاجِزِينَ، فَجَمْعٌ، وَهُوَ فِعْلٌ لِأَحَدٍ، وَأَحَدٌ فِي لَفْظِ وَاحِدٍ رَدًّا عَلَى مَعْنَاهُ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْجَمْعُ، وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ أَحَدًا لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، كَمَا قِيلَ {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} وَبَيْنَ: لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا.