ومن لطائف ونكات تأويل مشكل القرآن للدينوري
سورة الحاقة
(هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ(19)
ها: بمنزلة خذ وتناول، تقول: ها يا رجل. وتأمر بها، ولا تنهى.
ومنها قول الله تعالى: (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ) ويقال للاثنين: هاؤما اقرءا.
وفيها لغات، والأصل: هاكم اقرؤوا، فحذفوا الكاف، وأبدلوا الهمزة، وألقوا حركة الكاف عليها.
(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ(44) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)
قال ابن عباس: اليمين هاهنا: القوّة. وإنما أقام اليمين مقام القوّة، لأن قوة كل شيء في ميامنه.
ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر قد جرى الناس على اعتياده: أن كان الله عز وجل أراده في هذا الموضع، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل: خذ بيده وافعل به كذا وكذا. وأكثر ما يقول السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم: خذ بيده واسفع بيده.
فكأنه تعالى قال: لو كذب علينا في شيء مما يلقيه إليكم عنّا، لأمرنا بالأخذ بيده، ثمّ عاقبناه بقطع الوتين.
وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقال في قوله تعالى: (لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) أي بالميامن، ثم عاقبناه بقطع الوتين، وهو: عرق يتعلق به القلب، إذا انقطع مات صاحبه.
ولم يرد أنا نقطعه بعينه، فيما يرى أهل النظر، ولكنّه أراد: ولو كذّب علينا لأمتناه أو قتلناه، فكان كمن قطع وتينه.
ومثله قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «ما زالت أكلة خيبر تعادّني، فهذا أوان قطعت أبهري» .
والأبهر: عرق يتصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه. فكأنّه قال: فهذا أوان قتلني السّمّ، فكنت كمن انقطع أبهره. انتهى انتهى {تأويل مشكل القرآن، للدينوري} ...