(فصل)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
واختلف العلماء في أول المخلوقات على أقوال:
أحدها: أن أول المخلوقات القلم، وقال أحمد بن حنبل بإسناده إلى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أول ما خلق الله القلم، فقال له: أجرِ - أو اكتب - فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة". وهذا اختيار ابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وعامة العلماء.
وقال ابن عباس: لما خلق الله القلم وقال له: أجرِ بما هو كائن إلى يوم القيامة، جرى على اللوح المحفوظ بذلك؛ وفي رواية عن ابن عباس: فسبَّح الله ومجَّده ألف عام قبل أن يكتب المقدرات. قال: وهو في زمردة خضراء، طوله ألفُ عام، وهو مشقوقٌ بالنور، ولما نظر الله إليه انشقَّ نصفين من هيبة الله تعالى.
وأما النون، فقد اختلفوا فيه فقال قوم: هو الدَّواة، وهو اختيار الحسن وقتادة والضحاك، ورواية الثمالي عن ابن عباس.
وعامةُ المفسِّرين على أنَّ النون الحوت الذي يحمل الأرض، وسنذكره في بابه.
(فصل)
وقد أكثر العلماء في وصف القلم، وروي عن ابن المقفع أنه قال: الأقلامُ مطايا الفطن ورسل الكرام وبيان البنان. وقوام الأمور بشيئين بالقلم والسيف، والقلم فوق السيف. وأنشد: [من البسيط]
إنْ يخدمِ القلمُ السيفَ الذي خَضَعتْ ... له الرِّقابُ ودانت دونه الأُمَمُ
فالموتُ والموتُ لا شيءٌ يخالفه ... ما زال يتبعُ ما يجري به القلمُ
كذا قضى الله للأقلام مُذ بُرِيَت ... أنَّ السّيوف لها مذ أرْهِفَتْ خدم
وقال أبو إسحاق الثعلبي: أنشدنا أبو القاسم السدوسي، أنشدنا أبو السميع الهاشمي، أنشدنا ابن صغنون لأبي تمام الطَّائي: [من الكامل]
ولَضربةٌ من كاتبٍ ببنانه ... أمضى وأبلغُ من دقيقِ حسامِ
قومٌ إذا عزموا عداوةَ حاسدٍ ... سفكوا الدما بأَلسِنَةِ الأَقلام
قلت وقد ناقض أبو تمام قوله: [من البسيط]
السيفُ أصدق إِنباءً من الكُتُبِ
ومن أحسن ما قيل في هذا الباب قول البُحْتُري: [من البسيط]
قومٌ إذا أخذوا الأقلامَ من غضب ... ثم استمدوا بها ماء المنيّاتِ
نالوا بها من أعاديهم وإن كثروا ... ما لا يُنالُ بحدِّ المشرفيّاتِ
والقول الثاني: إن أول ما خلق الله الماء. رواه الضحاك عن ابن عباس، واحتج بقوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] ، قال: خلق الله جوهرًا فصيَّره ماء.