(فَصْلٌ: مِنْ رَوَائِعِ النُّكَتِ وَاللطَائِفِ فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ)
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ:
سورة الملك
قوله - تبارك وتعالى -: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ، دليل على أن ترقب الموت أكبر مواعظ الله - جل
جلاله - وأجدر بالمعونة على العمل الصالح، إذ ترقبه مقصر للأمل،
ومهوّن مضض المصائب، وتجرع مرارات الفقر إذا ترك، وتزهد في
شهوات النفس إذا اتصل.
قوله: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) ، دليل على أن العرب
تسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، ألا ترى أن الله - جل
وتعالى - سمى الكواكب ها هنا بمصابيح وفي الفرقان، (سِرَاجًا)
في قوله - تبارك وتعالى -: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا) ، ويحتمل أن يكون السراج الشمس، وفي الصافات
"شهابًا"في قوله: (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ(10) .
فإن كان جعلها أسماء كلها خواص فهو ما قلناه، وإن كان سماها
"شهابًا"و"مصابيح"بضوئها ونورها وشعاعها فهو أدل على سعة اللسان،
والله أعلم كيف هو.
قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا) ، ذكر (ذَلُولًا) - والله أعلم - على لفظ (اَلأرضَ) وإن كانت مؤنثة.
قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ(15) ،
حجة في السعي والحركة في طلب الرزق والتماسه بالمكاسب في الأسفار، والحضر، لاتفاق المسلمين - جميعًا - على أن القاعد ليس بفرض عليه أن يقوم فيمشي في مناكب الأرض، فلا يكون المشي في مناكبها، والأكل من رزقة - إن شاء الله - إلا على هذا المعنى.
وقد يجوز أن يكون ذكّرهم نعمته عليهم بتذليل الأرض لهم،
وتمهيدها ليمشوا في مناكبها، ويأكلوا من رزقه فيها، والله أعلم كيف