الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ: يَقُولُ: وَهُمْ لَمْ يَرَوْهُ {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ}
يَقُولُ: لَهُمْ عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ
{وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}
يَقُولُ: وَثَوَابٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى خَشْيَتِهِمْ إِيَّاهُ بِالْغَيْبِ جَزِيلٌ.
وَقَوْلُهُ: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَأَخْفُوا قَوْلَكُمْ وَكَلَامَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَوْ أَعْلِنُوهُ وَأَظْهِرُوهُ.
{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}
يَقُولُ: إِنَّهُ ذُو عِلْمٍ بِضَمَائِرِ الصُّدُورِ الَّتِي لَمْ يُتَكَلَّمْ بِهَا، فَكَيْفَ بِمَا نُطِقَ بِهِ وَتُكُلِّمَ بِهِ، أُخْفِيَ ذَلِكَ أَوْ أُعْلِنَ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ ضَمَائِرُ الصُّدُورِ فَغَيْرُهَا أَحْرَى أَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَا يَعْلَمُ الرَّبُّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَنْ خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ؟ يَقُولُ: كَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ خَلْقُهُ الَّذِي خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ بِعِبَادِهِ الْخَبِيرُ بِهِمْ وَبِأَعْمَالِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا سَهْلًا سَهَّلَهَا لَكُمْ {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} .
واخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى مَنَاكِبِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنَاكِبُهَا: جِبَالُهَا.
عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} فَقَالَ لَجَارِيَةٍ لَهُ: إِنْ دَرَيْتِ مَا مَنَاكِبُهَا فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ. قَالَتْ: فَإِنَّ مَنَاكِبَهَا: جِبَالُهَا، فَكَأَنَّمَا سُفِعَ فِي وَجْهِهِ، وَرَغِبَ فِي جَارِيَتِهِ. فَسَأَلَ، مِنْهُمْ مَنْ أَمَرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَهَاهُ، فَسَأَلَ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ: الْخَيْرُ فِي طُمَأْنِينَةٍ، وَالشَّرُّ فِي رِيبَةٍ، فَذَرْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَنَاكِبُهَا أَطْرَافُهَا وَنَوَاحِيهَا
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: {مَنَاكِبهَا} طُرُقُهَا وَفِجَاجُهَا.