(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
فأمّا قوله تعالى: {ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ} فإنّه أيضا لا معارضة بينه وبين إخباره عن خلق كثير منهم ومعاصيهم المتفاوتة القبيحة، وتولّيه لإضلالهم والختم والطبع على قلوبهم، لأنّه إنّما عنى بخلق الرحمن في هذه الآية السماء، يدلّ على ذلك أنّه ابتدأ وقال: {خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ} يعني في السماء، ثم قال: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ} يعني هل ترى في السماوات من صدوع وشوق وخلل وقد علم أنّ الكفر لا يرجع البصر فيه وإليه، ولا يجوز أن يكون فيه فطور وشقوق، فثبت أنّه إنّما نفى التفاوت عن السماوات من المخلوقات، ولم يعرض في هذه الآية لذكر المعاصي وغيرها من أفعال العباد فبان بذلك سقوط ما ظنّه الملحدة والقدرية.
ويمكن أيضا أن يكون إنّما نفى التفاوت عن جميع ما خلق من حيث لم يقع شيء منه وغيره متفاوتا على إرادته، وبخلاف ما قصده، ولا قصد أن يكون شيئا منه قبيحا فوقع حسنا، وحسنا فوقع قبيحا بخلاف القصد بالكفر، وإن كان متفاوتا على مكتسبه من حيث قصد كونه حسنا دينا فوقع قبيحا فاسدا، فإنّه غير متفاوت على الله لأنّه منافي خلقه على ما قصده وأراده
من القبيح وخلاف للحسن، فوجب بذلك بطلان ما قالوه، وهذا كما يقول:
إنّ رمي الكافر للمؤمن وإصابته له غير متفاوت عليه، من حيث كان إصابة لما قصده ولتأتيه على ما أراده وإن كان متفاوتا عليه من حيث قصده حسنا دينا فكان قبيحا فاسدا، فإذا ليس في جميع خلق الله ما هو متفاوت على الله تعالى، وإن كان منه المتفاوت على غيره لتأتيه بخلاف قصده وإرادته. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...