فصل في معاني القراءات في السورة الكريمة:
قال العلامة أبو منصور الأزهري:
سورة التحريم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله جلَّ وعزَّ: (عَرَّفَ بَعْضَهُ) .
قرأ الكسائي، والأعشى عن أبي بكر عن عاصم: (عَرَفَ بَعْضَهُ) مخففًا.
وقرأ الباقون (عَرَّفَ بَعْضَهُ) مشددًا.
قال أبو منصور: من قرأ (عَرَفَ بَعْضَهُ) فالمعنى: أن النبي صلى الله عليه
قد عرف كل ما كان أسره إلى حفصة، والإعراض لا يكون إلا عن ما عرفه.
وقال الفراء: معنى قوله (عَرَفَ بَعْضَهُ) جازَى ببعضه، أي: ببعض
الذنب.
والعرب تقول للرجل إذا أساء إليه رجل: لأعرفن لك غبّ هذا، أي:
لأجازينَّك عليه، يقول هذا لمنْ يتَوعدُه قد علمت ما عملت، وعرفتُ ما صنعتَ: ومعناه: سأجازيك عليه، لا أنلث تقصد إلى أن تُعرفه أنك قد علمت فقط.
ومثله قول اللَّه: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) ،
وتأويله: يعلمه فيجازى عليه.
ومن قرأ (عَرَّفَ بَعْضَهُ) بالتشديد فَمعْناه: خَبرَ بعضه، أي: عَرَّفَ بَعْضَهُ
حفصة، وأعْرَض عن بعض أي: عرفها بعض ما أفْشت من الخبر فيْ أمر مارية.
وقوله جلَّ وعزَّ: (تَوْبَةً نَصُوحًا) .
قرأ نافع في رواية خارجة عنه، ويَحْيَى عن أبي بكر عن عاصم"نُصُوحًا"
بضم النون.
وقرأ حفص عن عاصم، والأعشي عن أبي بكر، ونافع - من غير رواية
خارجة - وجميع القراء، (نَصُوحًا) بالفتح.
قال أبو منصور: من قرأ (نَصُوحًا) فهي صفة للتوبة، ومعناه: توبة بالغة
في النصح لصاحبها؛ لأن (فَعُولاً) يجيء للمبالغة كما يقال: رجل صَبُور،
وشَكُور.
ومن قرأ (نُصُوحًا) فمعناه: ينصحون فيها نُصُوحًا.
ويقال: نَصح الشيءُ نُصوحًا، إذا خلص.
قال ساعدة يصف مُشْتَارًا:
فَأَزَالَ نَاصِحَهَا بِأبيضَ مُفْرِطٍ ... مِنْ مَاءِ أَنْهَابٍ عَلَيْهِ التَّألَبُ
وروى عباس عن أبي عمرو