(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
(الفرج بعد الشدّة)
قال البرقوقي:
أتِيَ يزيدُ بخارجيٍّ، فهَمَّ بقتلِه فقال الخارجيُّ:
عَسَى فَرَجٌ يأتي به اللهُ إنَّهُ ... لهُ كلَّ يَوْمٍ في خَليقَتِه أمْرُ
فقال يزيد: واللهِ، لأضْرِبَنَّ عُنقَك، اقتُلوه، فدَخَلَ الهيثمُ بنُ الأسودِ النَّخَعيّ، فقال: أمسكوه قليلاً، فدَنا منه فقال: يا أميرَ المؤمنين، هَبْ مُجْرِمَ قومٍ لوافِدِهم، فقال: هو لك، فخرج الخارجيُّ وهو يقول: تأبّى على اللهِ فأبى إلا أنْ يُكذِّبَه وغالبَه فأبى إلا أنْ يَغلِبَه ... وأحْضِرَ رجلٌ أمام بعض الملوك، فدعا بطعامٍ فأخذ يأكل ويَضحكُ، فقيل له: تَضحكُ وأنت مقتولٌ؟ فقال: من الساعة إلى الساعة فرجٌ، فسُمِعَتْ صيحةٌ فقيل: ماتَ الملكُ، فخلّوا الرجلَ ...
وشدَّ بعضُ العمّال - الولاة - رجلاً إلى أسطوانةٍ - عمود - يريد ضربَه، فقال حُلَّني من هذه إلى هذه، فحلَّه، فما حلَّه إلا وقد عُزِلَ وشُدَّ إلى الأسطوانَةِ بعَيْنِها ...
ومما يؤثر في باب الصبر قول الشاعر:
إذا ضَيَّقتَ شيئاً ضاقَ جِداً ... وإنْ هَوَّنْتَ ما قدْ عَزَّ هانا
فلا تَهْلِكْ لِشيْءٍ فاتَ يأساً ... فَكَمْ أمْرٍ تَصَعَّبَ ثُمَّ لانا
سَأصْبِرُ عَنْ رفيقي إنْ جَفاني ... عَلى كُلِّ الأذى إلا الهَوانا
فإنَّ المَرْء يَجْزعُ في خَلاءٍ ... وإنْ حَضَرَ الجَماعة أنْ يُهانا
يأساً مردود إلى قوله تهلك يقول: لا تهلك يأساً.
وقوله: فإن المرء ... البيتُ يقول: إنّ المرء يجزع أن يهانَ كان وحده أو في جماعة.
وأنشدوا:
إذا اشْتَملَتْ على اليأسِ القُلوبُ ... وضاقَ بِما بهِ الصَّدْرُ الرَّحيبُ
وأوْطنَتِ المَكارِهُ واطْمَأنَّتْ ... وأرْسَتْ في مَكامِنِها الخُطوبُ
ولَمْ تَرَ لانْكِشافِ الضُّرِّ وَجْهاً ... ولا أغْنى بِحيلَتِه الأريبُ
أتاكَ على قُنوطٍ مِنْكَ غَوْثٌ ... يَمُنُّ بهِ اللَّطيفُ المُسْتَجيبُ
وكلُّ الحادِثاتِ وإنْ تَناهَتْ ... فَمَقْرونٌ بها الفَرَجُ القَريبُ
(أبيات حكيمة)
وإليك أبياتاً حكيمةً لشاعرٍ جاهِليٍّ قديمٍ يُسمَّى: الأضبط بن قُريع بن عوف بن كعب بن سعد، رهط الزِّبْرِقانِ بن بدر، وهو الذي أساء قومُه مُجاورَته، فانتقل عنهم إلى آخرين
ففعلوا مثل ذلك، فقال: أينما أُوَجّه ألْقَ سعدا وقال: بكلِّ وادٍ بنو سعد وإليك هذه الأبياتَ:
لكلِّ ضيقٍ مِنَ الهُمومِ سَعَهْ ... والمُسْيُ والصُّبْحُ لا فلاحَ مَعَهْ