25 -ونأتي إلى آخر الشُّبه الموجودة في فصل الكتاب الخامس المسمَّى"أسئلة لغوية"، وهي تتعلق بجمع كلمة"قلب"في قوله عز شأنه يخاطب عائشة وحفصة - رضي الله عنهما - وأرضاهما حينما زادت غيرتهما على رسول الله إلى الحد الذي ضايقه: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} ، إذ يتساءل هذا العبقري:"لماذا لم يقل:"صغا قلباكما"بدل {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} إذ إنه ليس للاثنتين أكثر من قلبين؟" (ص 112) .
ما كل هذه العبقرية؟ لقد اكتشف نيافته ما لم يكتشفه أحد من الأولين والآخرين فعرف أن للإنسان قلباً واحداً لا قلبين أو أكثر. وأنا أحيّيه على هذا الاكتشاف وأنّبه من يقولون:"هذه الفتاة عيونها جميله، وخدودها أسيلة، وأثداؤها كالرَمّان، وأردفها كالكثبان، وسيقانها لا أدري ماذا"إلى أن عليهم من الآن فصاعداً ألا يستخدموا صيغة الجمع هنا بل يستعملوا بدلاً منها صيغة المثنى.
خيبة الله على كل تافه جهول! ترى ماذا نفعل مع الشعراء والأدباء، وهم منذ خلقهم الله يميلون في كثير من الأحيان إلى التوسع في مثل هذه التعبيرات؟ يقول الأعشى مثلاً:
إذّا تقُومُ يَضُوع المِسْك أَصْوِرَةً ... والزنْبق الورد من أردانها شَمِلُ
فجمع"الأردان"مع أن لها رُدْنين"أي كُمَّيْن) اثنين فقط."
ويقول قيس بن الخطيم:
كأنَّ لبَّاتِها تَضَمَّنَهَا ... هَزْلَى جَرَادٍ أَجْوَازُهُ جُلُفُ
واللَّبَة: أوسط الصدر والمنحر، وللمرأة لبة واحدة لا لبَّات. ويقول السُّلَيْك بن السُّلَكة:
كَأَنَّ مَجامِعَ الأَردافِ مِنهَا ... نَقًى دَرَجَت عَلَيهِ الرِّيحُ هَارَا
وللمرأة ردفان اثنان، لكن الشاعر استخدام صيغة الجمع. ويقول بشامة بن الغدير في ناقته:
كأن يديها إذا أَرْقَلَتْ ... وقد جُرْنَ ثم اهتدين السبيلا
بدا غانمٍ خَرَّ في غمرةٍ ... قد أدركه الموت إلا قليلا