{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) }
وهذا من أبلغ التقرير فإن الخالق لا بد أن يعلم مخلوقه، والصانع يعلم مصنوعه، وإذا كنتم مقرين بأنه خالقكم وخالق صدوركم وما تضمنته فكيف تخفى عليه وهي خلقه؟
وهذا التقرير مما يصعب على القدرية فهمه فإنه لم يخلق عندهم ما في الصدور فلم يكن في الآية على أصولهم دليل على علمه بها، ولهذا طرد غلاة القوم ذلك ونفوا علمه فأكفرهم السلف قاطبة.
وهذا التقرير من الآية صحيح على التقديرين أعني تقدير أن تكون (مَن) في محل رفع على الفاعلية، وفي محل نصب على المفعولية.
فعلى التقدير الأول ألا يعلم الخالق الذي شأنه الخلق؟
وعلى التقدير الثاني ألا يعلم الرب مخلوقه ومصنوعه؟
ثم ختم الحجة باسمين مقتضيين لثبوتها وهما (اللطيف) الذي لطف صنعه وحكمته ودق حتى عجزت عنه الأفهام.
و (الخبير) الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها، كما أحاط بظواهرها.
فكيف يخفى على اللطيف الخبير ما تحويه الضمائر وتخفيه الصدور؟!!.
وقال في (شفاء العليل)
ومن ذلك قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) }
وذات الصدور كلمة لما يشتمل عليه الصدر من الاعتقادات والإرادات والحب والبغض أي صاحبة الصدور فإنها لما كانت فيها قائمة بها نسبت إليها نسبة الصحبة والملازمة.
وقد اختلف في إعراب (مَن خلق) هو النصب أو الرفع.
فإن كان مرفوعا فهو استدلال على علمه بذلك لخلقه له، والتقدير إنه يعلم ما تضمنته الصدور، وكيف لا يعلم الخالق ما خلقه.
وهذا الاستدلال في غاية الظهور والصحة، فإن الخلق يستلزم حياة الخالق وقدرته وعلمه ومشيئته.
وإن كان منصوبا فالمعنى ألا يعلم مخلوقه؟
وذكر لفظة (مَن) تغليبا ليتناول العلم العاقل وصفاته على التقديرين، فالآية دالة على خلق ما في الصدور كما هي على علمه سبحانه به.
وأيضا فإنه سبحانه خلقه لما في الصدور دليلا على علمه بها فقال: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق} أي كيف يخفى عليه ما في الصدور وهو الذي خلقه فلو كان ذلك غير مخلوق له لبطل الاستدلال به على العلم، فخلقه سبحانه للشيء من أعظم الأدلة على علمه به فإذا انتفى الخلق انتفى دليل العلم، فلم يبق ما يدل على علمه بما ينطوي عليه الصدر إذا كان غير خالق لذلك.