ومن لطائف ونكات التفسير الوسيط لطنطاوي:
سورة الملك
(الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ(3)
وقال - سبحانه -: {مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن. .} ولم يقل: ما ترى في السماوات السبع من تفاوت، للإشعار بأن هذا الخلق البديع، هو ما اقتضته رحمته تعالى بعباده، لكى تجرى أمورهم على حالة تلائم نظام معيشتهم. . وللتنبيه - أيضا - على أن جميع مخلوقاته تسير على هذا النمط البديع في صنعها وإيجادها، كما قال تعالى: {صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} وكما قال - سبحانه -: {الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ...} قال صاحب الكشاف: قوله: {مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ} أي: من اختلاف واضطراب في الخلقة ولا تناقض، إنما هي مستوية ومستقيمة، وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه، ومنه قولهم: خلق متفاوت، وفي نقيضه متناصف.
«فإن قلت» : ما موقع هذه الجملة مما قبلها؟
قلت: هي صفة مشايعة لقوله {طِبَاقاً} وأصلها: ما ترى فيهن من تفاوت، فوضع مكان الضمير قوله: {خَلْقِ الرحمن} تعظيما لخلقهن، وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت، وهو أنه خلق الرحمن، وأنه يباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب.
(فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ(3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)
والاستفهام في قوله: {هَلْ ترى مِن فُطُورٍ} للتقرير: أي: إنك مهما نظرت في خلق الرحمن. وشددت في التفحص والتأمل. . فلن ترى فيه من شقوق أو خلل أو تفاوت. .
وقوله: {ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} تعجيز إثر تعجيز، وتحد في أعقاب تحد. . أي: ثم لا تكتف بإعادة النظر مرة واحدة، فربما يكون قد فاتك شيء في النظرة الأولى والثانية. . بل أعد النظر مرات ومرات. . فتكون النتيجة التي لا مفر لك منها، أن بصرك - بعد طول النظر والتأمل - ينقلب إليك خائبا وهو كليل متعب. . لأنه - بعد هذا النظر الكثير - لم يجد في خلقنا شيئا من الخلل أو الوهن أو التفاوت.