[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي التفسير الموضوعي للسورة كاملة)
قال الشيخ محمد الغزالي:
سورة الملك
الدنيا دار لها ما بعدها. والتدين الفاسد يستقبل هذه الحقيقة بالنواح والتشاؤم، لا بالعمل الجاد والاستعداد للخلود الدائم. إن تحديد الموقف من الآخرة لابد منه فِي مواجهة الحضارة المعاصرة. وهذا التحديد يفرض علينا أن ندرس الحياة وأن نعرف الحكمة من الوجود الموقوت بها. إن العقل البليد الذي لا يدرس الحياة ولا يستعد لما بعدها ليس هو العقل المؤمن. وسورة الملك تنبه إلى هذا فِي كلمات واعية"الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا"."الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت"."ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ...". والمحزن أن العقل الإسلامي الآن جهول بالكون، تائه عن قوانينه، ضعيف الخبرة بها والقدرة على استغلالها .. وهنا شيء آخر انضم إلى هذا العجز: شراهة فِي طلب الملذات والعكوف عليها مع السماع إلى أغان تقول له الدنيا ضحك ولعب وعش أيامك عش لياليك. واليوم الفائت لن يعود أبدا، فلماذا تضيعه؟ وهكذا تجمعت على المسلمين كل الهزائم المادية والروحية .. فلا عجب إذا هددوا بمصاير الكفار الذين إذا رموا فِي جهنم"سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء .."."وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير". المفروض أن العقل المؤمن أخبر بالحياة وأذكى فِي الكون من العقل الملحد، لأن الإيمان بالله يقوم فِي الإسلام على تأمل فِي الكون ووعى بآيات الله فِي آفاقه! إنه لشيء يثير الحزن والقلق أن نجد المسلمين فِي مؤخرة القافلة البشرية على النحو الذي يقول فيه الشاعر: ويقضى الأمر حين تغيب تيم - ولا يستأمرون وهم شهود!!