[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
سُورَةُ الْقَلَمِ
(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)
قيل: إِنَّمَا وَصَفَ خُلُقَهُ بِأَنَّهُ عَظِيمٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) [الْأَنْعَامِ: 90] وَهَذَا الْهُدَى الَّذِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى مُحَمَّدًا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ لَيْسَ هُوَ مَعْرِفَةَ اللَّه لِأَنَّ ذَلِكَ تَقْلِيدٌ وَهُوَ غَيْرُ لَائِقٍ بِالرَّسُولِ، وَلَيْسَ هُوَ الشَّرَائِعَ لِأَنَّ شَرِيعَتَهُ مُخَالِفَةٌ لِشَرَائِعِهِمْ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ أمر عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنْ يَقْتَدِيَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيمَا اخْتُصَّ بِهِ مِنَ الْخُلُقِ الْكَرِيمِ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ مُخْتَصًّا بِنَوْعٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا أُمِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنْ يَقْتَدِيَ بِالْكُلِّ فَكَأَنَّهُ أُمِرَ بِمَجْمُوعِ مَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ دَرَجَةً عَالِيَةً لَمْ تَتَيَسَّرْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، لَا جَرَمَ وَصَفَ اللَّه خُلُقَهُ بِأَنَّهُ عَظِيمٌ.
وَفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ: (لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) وَكَلِمَةُ (عَلَى) لِلِاسْتِعْلَاءِ، فَدَلَّ اللفظ على أنه مستعلٍ عَلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ وَمُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ كَالْمَوْلَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَبْدِ وَكَالْأَمِيرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَأْمُورِ.
(سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ(16)
قَالَ الْمُبَرِّدُ: الْخُرْطُومُ هاهنا الْأَنْفُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا اللَّفْظَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَافِ بِهِ، لِأَنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ أَعْضَاءِ النَّاسِ بِالْأَسْمَاءِ الْمَوْضُوعَةِ، لِأَشْبَاهِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ يَكُونُ اسْتِخْفَافًا، كَمَا يُعَبَّرُ عَنْ شِفَاهِ النَّاسِ بِالْمَشَافِرِ، وَعَنْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ بِالْأَظْلَافِ وَالْحَوَافِرِ.