[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
قال الجاحظ:
قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) }
فأقسَمَ بالقَلَم كما أقسمَ بما يُخَطُّ بالقلم؛ إذ كان اللسانُ لا يتعاطى شأوَه، ولا يشُقُّ غبارَه ولا يجري في حلبته، ولا يتكلف بُعْدَ غايتِه، لكنْ لما أَنْ كانت حاجات الناسِ بالحَضْرة أكثرَ مِنْ حاجاتهم في سائِر الأماكن، وكانت الحاجَةُ إلى بيانِ اللسانِ حاجةً دائِمة واكدة، وراهِنةً ثابِتة، وكانت الحاجةُ إلى بَيانِ القلم أمراً يكونُ في الغَيبة وعند النائبة، إلاَّ ما خُصَّت به الدواوين؛ فإِنّ لسانَ القلم هناك أبسَطُ، وأثرَهُ أعَمُّ، فلذلك قدَّموا اللسانَ على القلم.
فاللسانُ الآنَ إنَّما هو في منافع اليدِ والمرافق التي فيها، والحاجاتِ التي تبلُغها، فمن ذلك حظُّها وقِسْطُها من منافع الإشارة، ثم نَصِيبُها في تقويم القلم، ثم حَظُّها في التصوير، ثم حَظُّها في الصناعات، ثم حَظُّها في العَقْد، ثم حَظُّها في الدَّفْع عن النفس، ثمَّ حَظُّها في إيصال الطعام والشراب إِلى الفم، ثم التوضُّؤ والامتساح، ثم انتقادِ الدنانيرِ والدراهمِ ولُبسِ الثِّياب، وفي الدفع عن النفس، وَأَصْنَافِ الرَّمْي، وأصنافِ الضرْب، وأصناف الطعْن، ثم النَّقْرِ بالعُود وتحريكِ الوتر؛ ولولا ذلك لبَطَل الضرْبُ كلُّه أو عامَّتُه، وكيف لا يكون ذلك كذلك ولها ضَرْبُ الطبْل والدُّفّ، وتحريكُ الصفَّاقَتين، وتحريك مخارِق خروق المزامير، وما في ذلك من الإطلاق والحبس، ولو لم يكنْ في اليدِ إلاَّ إمساكُ العِنان والزِّمام والخِطام، لكانَ من أعظمِ الحظوظ، وقد اضطرَبوا في الحكْم بين العَقْد والإشارة، ولولا أنّ مغْزانا في هذا الكتابِ سوى هذا الباب، لقد كانَ هذا ممَّا أُحِبُّ أن يعرفَه إخوانُنَا وخلطاؤنا، فلا ينبغي لنا أيضاً أن نأخذ في هذا الباب من الكلام، إلاّ بعدَ الفَراغ ممَّا هو أولى بنا منه، إذ كنتَ لم تنازِعني، ولم تَعِبْ كتبي، من طريقِ فضل ما بين العَقْد والإشارة، ولا في تمييز ما بين اللفظ وبينهما، وإنَّما قَصَدْنا بكلامنا إلى الإخبار عن فضيلة الكتاب.