(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
(معنى دك الأَرْض وانشقاقها)
سُئِلَ بعض الْعلمَاء عَن معنى تكْرَار هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ دكا دكا وَصفا صفا فَقَالَ تدكدك الأَرْض دكا بعد دك أَي تحرّك مرّة بعد أُخْرَى حَتَّى لَا يبْقى عَلَيْهَا أثر من بِنَاء أَو جبل أَو شجر
وَقَوله صفا صفا تَأتي الْمَلَائِكَة صفا بعد صف كل ملك قد شغل بِنَفسِهِ لعظم مَا يرى من ظُهُور الْأَهْوَال
فَإِذا كثر زلزال الأَرْض {وحملت الأَرْض وَالْجِبَال فدكتا دكة وَاحِدَة} [سورة الحاقة 14] حَتَّى تَنْقَطِع الْجبَال من أُصُولهَا وتنشق الأَرْض وتغور فِيهَا أنهارها وعيونها وَيدخل فِيهَا كل قصر شَدِيد من بَين قديم وجديد فيا لَهُ من يَوْم مَا أهوله وَمن بلَاء مَا أطوله وَمن جَبَّار مَا أعدله
قد أفنى الْعباد بالحمام فَلَا يرى أحد من الْأَنَام
فَإِذا اسْتَوَى الْأَولونَ وَالْآخرُونَ فِي أَرض الْقِيَامَة أَمر الله تبَارك وَتَعَالَى السَّمَوَات أَن تَنْشَق فَتَنْشَق كل سَمَاء وتنقطع مثل قطع السَّحَاب وَقيل كَمَا يتطاير الْقطن بَين يَدي القطانين إِذا ندفوه فَمثل لنَفسك صَوت انشقاقها فِي سَمعك وَكَيف يثبت لَهُ فُؤَادك ويستقر لفظاعة هوله قدمك فَقدم فِي أَيَّام حياتك مَا يقيك تِلْكَ الْأَهْوَال لِأَن الْخلق فِي أهوال يَوْم الْقِيَامَة على قدر أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا من خير وَشر فَمن عمل صَالحا وَخَافَ من ربه وَخَافَ من هول ذَلِك الْيَوْم آمنهُ مَوْلَاهُ من جَمِيع أهواله وكروبه وَمن لم يقدم فِي دُنْيَاهُ عملا صَالحا لأخراه لَقيته صعاب الخطوب وترادفت عَلَيْهِ الهموم والكروب فيندم حِين لَا تَنْفَعهُ الندامة إِذا حل فِي أهوال الْقِيَامَة. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...