وقال الدكتور/ محمد أبو موسى:
سورة الحاقة
{فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ}
وفاعل راضية ضمير يعود على العيشة، وهي في الحقيقة ليست راضية، وإنما هي مرضية، والراضي هو صاحبها وأصل التعبير عيشة راض صاحبها، فأسند الرضى إلى العيشة ليست مرضية فحسب كما هو حقيقة التعبير، وإنما العيشة أيضا راضية، والعيشة هي النعم التي يتقلب فيها أهل الجنة، ورضى العيشة أي النعمة يعني أنها دائمة باقية تألف صاحبها ويألفها، وتحبه ويحبها، وليس هذا غريبًا على إلف اللغة.
{خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) }
وقد خالف أيضًا العلامة ابن الأثير في القول بدلالة تقديم المعمول على الاختصاص في قوله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) }
وقد قال البلاغيون: إن التقديم في قوله: {ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} ، مفيد للاختصاص، وكأنه قال: لا تصلوه إلا الجحيم وهي نار عظيمة، وكذلك التقديم في قوله: ثم في سلسلة على قوله: فاسلكوه قال الزمخشري:"سلكه في السلسلة أن تلوي على جسده حتى تلتف عليه أثناؤها، وهو فيما بينما مرهق مضيق عليه لا يقدر على حركة، وجعلها سبعين ذراعًا إرادة الوصف بالطول كما قال: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} ، يريد مرات كثرة؛ لأنها إذا طالت كان الإرهاق أشد والمعنى في تقديم السلسلة على لا سلك مثله في تقديم الجحيم على التصلية أي لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة، كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم."
قلت: إن العلامة ابن الأثير رفض دلالة التقديم في الآية الكريمة في الموضعين على الاختصاص، ورأى أنه للفضيلة السجعية كما قال، أي للمحافظة على رءوس الآي، قال:"ولا مراء في أن هذا النظم على هذه الصورة أحسن من أن لو قيل خذوه فغلوه ثم صلوه الجحيم"، وكذلك قال في سلسلة، وتقديمها على فاسكلوه لم يكن للاختصاص، وإنما لنظم الكلام، ولا شك أن هذا النظم أحسن من أن لو قيل: ثم اسلكوه في سلسلة ذرعها سبعون ذرًاعا.
وقد قلنا في مثله: إنه لا مانع من أن يكون التقديم للاختصاص، ولهذه الفضيلة السجعية، ومما لوحظ أن ابن الأثير في هذه الآية يهاجم الزمخشري هجوما خفيا فيقول: في القول بأن تقديم الجحيم، وهو النار العظيمة على قوله: صلوه لأجل الاختصاص، وهو رأي الزمخشري كما قدمنا، بقول:"إنه لا يذهب إليه إلا من هو بنجوة عن رموز الفصاحة والبلاغة"، وغفر الله لابن الأثير، فلم يكن الزمخشري بنجوة من رموز الفصاحة والبلاغة، واقتباسات ابن الأثير من الكشاف التي كتم خبر مصدرها، وأوهم أنها من اجتهاداته شاهد على ذلك. انتهى انتهى {خصائص التراكيب، للدكتور/ محمد أبو موسى} ...