أيها الغالف عن القيامة السرية اعلم أن قيامته حاقة مستحاقة محاقة فيما يقول في كتابه الكريم {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَآقَّةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة: 1 - 3] ؛ يعني: حقت القيامة الواقعة في السر الذي فيه خوارق الأمور، وحقائقها أن يعتبر بها؛ يعني: مستحاقة الوجود عن الأباطيل، ومحاقة الوجود الحادث بحيث لا يبقى إلا الوجود الحقيقي في الوجود المطلع، وفي أثر هذه القيامة قال أستاذ الطريقة الجنيد البغدادي قُدِّس سرّه: ليس في الوجود إلا الله الحاقة الأولى هي المستحاقة، والثاني نية هي المحاقة، والثالثة هي الحاقة التي تحق حقوقها وتظهر الحقائق المودعة في جميع القوى والمفردات واللطائف، ولم يطلع أحد عليها إلا بعد الوصول إليها، ومطالعتها عياناً، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} [الحاقة: 4] ؛ يعني: كذبت قوى اللطيفة القارعة؛ يعني: كذبت قوى اللطيفة القالبية والنفسية العادية المتعدية المكذبة لطائفها المنذرة لها بالقارعة، وهو قيامة القلب حتى نزل لهم العذاب الذي هو علامة القارعة في الدنيا.
{فَأَمَّا ثَمُودُ} [الحاقة: 5] ؛ يعني: قومه وقوى اللطيفة القالبية، {فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ} [الحاقة: 5] ؛ أي: بطغيانهم هلكوا حين سلط الله عليهم عين طاغيتهم من كدورات تراب قالبهم، والأخلاق نشأت من خواص التراب مثل الكبارة والجهل والمذلة وأمثالها {وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6] ؛ يعني: سلط الله عليهم حين عتوهم الحاصل من ريح قالبهم المكدرة بظلمات الحظوظ الهودية، والأخلاق التي ظهرت منها مثل الإباء عن الحق والاستنكاف عن قبول الحق ومتابعة الهوى.