قوله تعالى: (الْحَاقَّةُ(1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)
سميت بذلك؛ لأنها تحق العذاب للمجرمين والثواب للمحسنين، وقد يكون إنما
سميت بذلك؛ لأنها من قولهم: يحيق، من حاق يحيق، كما قال: (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) وقد قيل: إنها من أسماء القيامة.
وإنما قال - عز من قائل: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ(3) . ثم أنشأ يخبر بما
هي، فقال: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ(4) . والقارعة: من أسماء القيامة؛
فلأن كذبت بها ثمود أهلكوا بالطاغية، طغت عليهم الصيحة والرجفة، وكذلك عاد
كذبت بها أهلكوا (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ(6) . عتت عليهم وأهلكتهم.
يقول - عز من قائل: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ) لم يسخرها لهم
بل عليهم، ثم ذكر فرعون وعرض بمَن قبله من الأمم الماضية والقرون الخالية
وقرئت:"ومِن قبله"أي: من سار بسيرته قبله وبعده، وقرأ طلحة بن مصرف:"وجاء"
فرعون ومن حوله"أي: وجاء فرعون ومن معه، وقرأ بذلك عبد الله، وفي قراءة أبي"
موسى:"وجاء فرعون ومن تلقاءه".
(أَخْذَةً رَابِيَةً(10) . مرتفعة القدر في البطش به والشدة والخزي
والألم، أقسم باسم من أسماء القيامة، ثُمَّ أخذ في قصص الذين كذبوا كيف أهلكهم
على إساءتهم من أنواع كفرهم وتكذيبهم بالقارعة، أي: بيوم القيامة، فأهلكهم
بقوارع أحاقها بهم سلطها من عاجل عذاب يوم القيامة، سخر ذلك عليهم لم
غيره لهم فتكون لهم رحمة، كما سخر الفيحَين من جهنم في الدنيا فصيرهما لهم
في الدنيا بواسطة فتح رحمته جنات وأنهارًا وعيونًا وزروعًا ومن كل الثمرات، بل
سخر عليهم ما قد أخرجه عليهم من عذاب ذلك اليوم وأصحبهم خزيه في دار
البرزخ، ثم في اليوم الآخر يدخلهم أشد العذاب بما كانوا يكفرون.
نظم بذلك قوله - عز من قائل: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ(11)
أي: في الفلك (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً) لهم بحمل المتقين