في الجنة في الفلك تجري بهم في أنهارها تارة وتارة على مراكب البر، كما قال:
(وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ(42) .
وتذكرة أيضًا للعلم بحياة البرزخ، وطريق العبرة إلى ذلك: أن يتوهم الأرض
يومئذٍ وهي مغرقة بالطوفان، وقد هلك بها من هلك ويسر الله - جلَّ ذكره - لعباده
المؤمنين الفلك، حملهم فيها ومن علمه في أصلابهم من حياة إلى حياة، كذلك
الموت مدته فراق النفس الجسد، ويخلق الله للميت حاملاً من ذات الميت إما في
نعيم وإما في عذاب يعبر بهم بحر الموت من الحياة الدنيا إلى الحياة الأخرى،
جعل الله ذلك آية للعلم بذلك وتذكرة للقدرة الغائبة.
ثم قال: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ(12) . أي: يعجب بذلك أولوا الألباب
ويذكرون بإهلاكنا من عتا عذاب الآخرة، كما قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ) .
نظم بذلك قوله الحق: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ(13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) .
فلا جبران لها، كما قال: (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2) .
يقول - عز من قائل: (وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ(15) . التي هي القارعة والحاقة
(وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ(16) .
ثم قال: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ...(17) . أي: حاقاتها نواحي الانشقاق منها، قوله
تعالى: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) جاء في الكتب
الأول أن حملة العرش أربعة، ذكر هذا وجرى كثيرًا على ألسنة الناس، وجاء ذكرهم
في القرآن مهملاً دون عدد في قوله: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ)
المعنى: ولم أرَ في إثبات أربعة حملة تبيانًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقال في هذه الآية:(وَيَحْمِلُ
عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ)ولم يبين ما هؤلاء الثمانية أهي
صفوف أم آحاد منهم، غير أن قوله: (يَومَئِذٍ) يوهم أو يغلب الظن أن ذلك
خصوص لذلك اليوم إما لثقل الأمر أو تضاعيف الشأن، والله أعلم.
(فصل)