25 - {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ} وأعطي {كِتَابَهُ} ؛ أي: كتاب أعماله {بشِمَالِه} تحقيرًا له؛ لأنّ الشمال يتشاءم بها بأن تلوى يساره إلى خلف ظهره، فيأخذه بها، ويرى ما فيه من قبائح الأعمال. {فَيَقُولُ} تحزّنًا وتحسرًّا وخوفًا مما فيه من السيئات، وهو من قبيل الألم الروحانيّ الذي هو أشدّ من الألم الجسمانيّ. {يا} هؤلاء يا معشر المحشر {لَيْتَنِي} من التمني بالمحال؛ أي: أتمنّى أنّي {لَمْ أُوتَ} مضارع مبني للمتكلم المجهول من الإيتاء بمعنى لم أعط. {كِتَابِيَهْ} ؛ أي: كتابي هذا الذي جمع جميع سيئاتي.
26 - {وَلَمْ أَدْرِ} مضارع مبني للمتكلم المعلوم من الدراية بمعنى العلم، أي: ولم أعلم {مَا حِسَابِيَهْ} ؛ أي: أيّ شيء حسابي من ذكر العمل وذكر الجزاء عليه، لأن كله عليه. فـ {ما} استفهامية علق بها الفعل عن العمل، ويجوز أن تكون موصولة بتقدير المبتدأ في الصلة.
27 - {يَا لَيْتَهَا} تكرير للتمني وتجديد للتحسر، أي: يا هؤلاء ليت الموتة التي متّها وذقتها {كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} ؛ أي: القاطعة لحياتي وأمري، ولم أبعث بعدها، ولم ألق ما ألقى. والمعنى: أنه تمنّى دوام الموت وعدم البعث لما شاهد من سوء عمله وما يصير إليه من العذاب، فالضمير في {ليتها} يعود إلى الموتة التي قد كان ماتها، وإن لم تكن مذكورة؛ لأنها لظهورها كانت كالمذكورة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء عنده أكره منه، وشر من الموت ما يطلب منه الموت. قال الشاعر:
وَشَرٌّ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِيْ إنْ لَقِيْتَهُ ... تَمَنَّيْتَ مِنْهُ الْمَوْتَ وَالْمَوْتُ أَعْظَمُ
وقيل: الضمير يعود إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب.
والمعنى: يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت عليّ، يتمنى أن يكون بدل تلك الحالة الموتة القاطعة للحياة، لما أنه وجد تلك الحالة أمر من الموت، فتمناه عندها، وكان في الدنيا أشد كراهية للموت.