13 -وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ* وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ قال صاحب الظلال:
(فالشعر قد يكون موسيقي الإيقاع، رائع الأخيلة، جميل الصور والظلال؛ ولكنه لا يختلط أبدا ولا يشتبه بهذا القرآن، إن هنالك فارقا فاصلا بينهما. إن هذا القرآن يقرر منهجا متكاملا للحياة يقوم على حق ثابت، ونظرة موحدة، ويصدر عن تصور للوجود الإلهي ثابت، وللكون والحياة كذلك. والشعر انفعالات متوالية وعواطف جياشة، قلما تثبت على نظرة واحدة للحياة في حالات الرضى والغضب، والانطلاق والانكماش، والحب والكره، والتأثرات المتغيرة على كل حال!
هذا إلى أن التصور الثابت الذي جاء به القرآن قد أنشأه القرآن إنشاء من الأساس في كلياته وجزئياته، مع تعين مصدره الإلهي. فكل ما في هذا التصور يوحي بأنه ليس من عمل البشر، فليس من طبيعة البشر أن ينشئوا تصورا كونيا كاملا كهذا التصور ... لم يسبق لهم هذا ولم يلحق ... وهذا كل ما أبدعته قرائح البشر من تصورات للكون وللقوة المنشئة له، المدبرة لنظامه ... هذا هو معروضا مسجلا في الفلسفة وفي الشعر وفي غيرهما من المذاهب الفكرية؛ فإذا قرن إلى التصور القرآني وضح أن هذا التصور صادر من جهة غير تلك الجهة! وأنه متفرد بطابع معين يميزه من كل تصورات البشر.
كذلك الأمر في الكهانة وما يصدر عنها. فلم يعرف التاريخ من قبل أو بعد كاهنا أنشأ منهجا متكاملا ثابتا كالمنهج الذي جاء به القرآن. وكل ما نقل عن الكهنة أسجاع
لفظية أو حكمة مفردة، أو إشارة ملغزة!).
كلمة أخيرة في السورة:
لقد رأينا تسلسل السورة الخاص، ورأينا صلتها بمحورها، وهاهنا نذكر أن هذه السورة مقدمة لمجموعتها، ومن ثم فقد ذكرت ووعظت وأنذرت ودللت، ومن المعلوم أن التأكيد على كون هذا القرآن من عند الله هو المقدمة الكبرى لكل قضية قرآنية، ومن ثم بدأت سورة البقرة بهذا التأكيد، ورأينا أن الفقرة الثانية من هذه
السورة أكدت نفس المضمون، فلننتقل إلى سورة المعارج. انتهى انتهى {الأساس في التفسير} ...