[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي حجة القراءات فِي السورة الكريمة)
قَالَ الإمامُ أَبُو عَلِيٍّ الفارسيُّ:
ذكر اختلافهم في سورة الحاقة
[الحاقة: 9]
قرأ عاصم في رواية أبان وأبو عمرو والكسائي: ومن قبله* [9] بفتح الباء.
وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة: قبله قال سيبويه: قبل: لما ولي الشيء، تقول: اذهب قبل السوق [أي: نحو السوق] ، ولي قبلك حقّ، أي: فيما يليك، واتّسع حتى صار بمنزلة لي عليك حجّة من قرأ: ومن قبله* أنهم زعموا أن في قراءة أبيّ: وجاء فرعون ومن معه، فهذا يقوّي من قبله*، لأن قبل لما ولي الشيء مما لم يتخلّف عنه فهو يتبعه ويحفّ به.
وحجة من قال: ومن قبله من قبله من الأمم التي كفرت كما كفر. فإن قلت: إن قوله: ومن قبله لفظ عام يقع على المؤمن
والكافر، فكيف جاز أن يذكروا بأنهم جاءوا بالخاطئة؟ قيل: قد يجوز أن يخصّ من* في قوله: من قبله كأنه عنى به الكفّار دون المؤمنين، ويقوّي ذلك قوله: فعصوا رسول ربهم [الحاقة / 10] ، ويجوز أن يكون ذكر من قبله من الكفّار كما ذكر من بعده بقوله: كذبت قبلهم قوم نوح وفرعون وثمود [الحج / 42] .
قرأ حمزة والكسائي: لا يخفى* [5] بالياء، وقرأ الباقون: لا تخفى بالتاء.
كلا الأمرين حسن.
[الحاقة: 42، 41]
وقرأ ابن كثير وحده: قليلا من يؤمنون [41] وقليلا ما يذكرون [42] بالياء فيهما جميعا.
ابن عامر في رواية هشام مثل ابن كثير بالياء فيهما، وفي رواية ابن ذكوان بالتاء فيهما، وروى القطعي عن عبيد عن هارون عن أبي عمرو قليلا ما يؤمنون وقليلا ما يذكرون بالياء جميعا، ولم يروه غيره، حدّثنيه الخزاز عن محمد بن يحيى عن عبيد عن هارون عن أبي عمرو، وقرأ الباقون بالتاء فيهما قال أبو علي: حجّة الياء أنه خطاب للنبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم، كأنه قليلا ما يؤمنون يا محمد، وحجّة التاء: كأنه: قل لهم: قليلا ما تؤمنون.
[الحاقة: 12]
روى الحلواني بإسناده عن ابن كثير: وتعيها [الحاقة / 12] ساكنة العين، وكذلك قال أبو ربيعة عن قنبل، وقرأت أنا على قنبل:
وتعيها بكسر العين وفتح الياء مثل حمزة. وكذلك الباقون على وزن تليها.
وجه قوله: وتعيها أنه جعل حرف المضارعة مع ما بعد بمنزلة فخذ، فأسكن كما يسكن كتف ونحوه، وهذا يشبه ما من نفس الكلمة نحو الكاف من كتف، لأن حرف المضارعة لا ينفصل من الفعل، فصار كقول من قال: وهو وهي، ومثل ذلك قوله: ويتقه [النور / 52] جعل تقه من يتقه بمنزلة كتف، فأسكن، وقد يكون هذا على ما ما أنشده أبو زيد من قوله:
قالت سليمى اشتر لنا سويقا جعل نزل بمنزلة كتف فخفّف، وقد يجوز أن يكون أجرى الوصل مجرى الوقف مثل: سبسبّا. انتهى انتهى. {الحجة للقراء السبعة / لأبي علي الفارسي حـ 6 صـ 314 - 316} .