(فصل)
قال السُّهْرَوَرْدي:
قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) }
ولا يبعد - والله أعلم - أن قول عائشة رضي الله عنها، كان خلقه القرآن، فيه رمز غامض وإيماء خفي إلى الأخلاق الربانية فاحتشمت من الحضرة الإلهية أن تقول: متخلقاً بأخلاق الله تعالى، فعبرت عن المعنى بقولها: كان خلقه القرآن استحياء من سبحات الجلال وستراً للحال بلطف المقال، وهذا من وفور علمها وكمال أدبها وبين قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} (الحجر: الآية 87) وبين قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: الآية 4) مناسبة مشعرة بقول عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن.
قال الجنيد رحمه الله: كان خلقه عظيماً لأنه لم يكن له همة سوى الله تعالى، وقال الواسطي رحمه الله: لأنه جاد بالكونين عوضاً عن الحق، وقيل: لأنه عليه السلام عاشر الخلق بخلقه وباينهم بقلبه؛ وهذا ما قاله بعضهم في معنى التصوف: التصوف الخلق مع الخلق والصدق مع الحق.
وقيل: عظم خلقه حيث صغرت الأكوان في عينه بمشاهدة مكونها.
وقيل: سمي خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه.
وقد ندب رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمته إلى حسن الخلق:
عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقاً وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ المُتَشَدِّقُونَ المُتَفَيْهِقُونَ» قالوا: يا رسول الله علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: «المُتَكَبِّرُونَ» والثرثار هو المكثار من الحديث، والمتشدق المتطاول على الناس في الكلام.
قال الواسطي رحمه الله: الخلق العظيم أن لا يُخَاصِم ولا يُخَاصَم، وقال أيضاً: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} لوجدانك حلاوة المطالعة على سرك.
وقال أيضاً: لأنك قبلت فنون ما أسديت من نعمي أحسن مما قبله غيرك من الأنبياء والرسل وقال الحسين: لأنه لم يؤثر فيك جفاء الخلق مع مطالعة الحق.
وقيل: الخلق العظيم لباس التقوى والتخلق بأخلاق الله تعالى إذ لم يبق للأعواض عنده خطر.