وقال بعضهم قوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} (الحاقة: الآيتان 44، 45) أتم لأنه حيث قال: {وَإِنَّكَ} أحضره وإذا أحضره أغفله وحجبه، وقوله: {لأَخَذْنَا} أتم لأن فيه فناء.
في قول هذا القائل نظر؛ فهلا قال: إن كان في ذلك فناء ففي قوله: {وَإِنَّكَ} بقاء وهو بقاء بعد فناء، والبقاء أتم من الفناء، وهذا أليق بمنصب الرسالة لأن الفناء إنما عز لمزاحمة وجود مذموم، فإذا نزع المذموم من الوجود وتبدلت النعوت فأي عزة تبقى في الفناء؟ فيكون حضوره بالله لا بنفسه فأي حجبة تبقى هنالك؟
وقيل: من أوتي الخلق فقد أوتي أعظم المقامات لأن للمقامات ارتباطاً عاماً والخلق ارتباط بالنعوت والصفات.
وقال الجنيد: اجتمع فيه أربعة أشياء السخاء والألفة والنصيحة والشفقة.
وقال ابن عطاء: الخلق العظيم أن لا يكون له اختيار ويكون تحت الحكم مع فناء النفس وفناء المألوف، وقال أبو سعيد القرشي العظيم هو الله ومن أخلاقه الجود والكرم والصفح والعفو والإحسان ألا ترى إلى قوله عليه السلام: «إن لله مائة وبضعة عشر خلقاً من أتى بواحد منها دخل الجنة» فلما تخلق بأخلاق الله تعالى وجد الثناء عليه بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
وقيل: عظم خلقك لأنك لم ترض بالأخلاق وسرت ولم تسكن إلى النعوت حتى وصلت إلى الذات، وقيل: لما بعث محمد عليه الصلاة والسلام إلى الحجاز حجزه بها عن اللذات والشهوات وألقاه في الغربة والجفوة فلما صفا بذلك عن دنس الأخلاق قال له: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} .
وفسر عبد الله بن المبارك حسن الخلق فقال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف وكف الأذى.
فالصوفية راضوا نفوسهم بالمكابدات والمجاهدات حتى أجابت إلى تحسين الأخلاق وكم من نفس تجيب إلى الأعمال ولا تجيب إلى الأخلاق.
فنفوس العباد أجابت إلى الأعمال وجمحت عن الأخلاق، ونفوس الزهاد أجابت إلى بعض الأخلاق دون البعض، ونفوس الصوفية أجابت إلى الأخلاق الكريمة كلها.