[من روائع الأبحاث]
(فصل: من التضمين النحوي في السورة الكريمة)
(فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ(5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) (6)
روى الطبري: قال البعض بأيكم المجنون كأنه وجه معنى (الباء) في قوله بأيكم إلى معنى (في) والتأويل في أي الفريقين المجنون، وقال آخرون: بأيكم المفتون، وكأن الذين قالوا هذا القول وجهوا المفتون إلى معنى الفتنة أو الفتون. وقال آخرون: معناه أيكم أوْلى بالشيطان فالباء على قول هؤلاء زيادة.
وقال الزمخشري: فتن أي: محن بالجنون، ولأن العرب يزعمون أنه من تخييل الجن، والباء مزيدة أو المفتون مصدر كالمعقول والمجلود أي بأيكم الجنون كقوله تعالى: (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) .
وذكر أبو حيان وتبعه الجمل: حصل الفتون واستقر وثبت بأيكم؟.
وفي السمين ذكر أربعة أوجه:
1 -أن الباء مزيدة في المبتدأ والتقدير: أيكم المفتون. مزيدة كزيادتها في: بحسبك زيد.
2 -أن الباء بمعنى في فهي ظرفية كقولك: زيد بالبصرة أي فيها والمعنى: في أي فرقة وطائفة منكم المفتون.
3 -أنه على حذف مضاف: بأيكم فتن المفتون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وتكون الباء سببية.
4 -أن المفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور، والتقدير: بأيكم الفتون.
وأشار الآلوسي: أن الباء للملابسة. وقال البروسوي: الباء للإلصاق نحو: به داء.
أقول: قريش ولها المشيخة والرئاسة قبل البعثة، تحارب الدعوة بعنف وتقول في صاحبها قولتها الفاجرة الغبية خشية من زوال مكانتها القبلية، فكان أسلوبها في السخرية والاستهزاء للعُصبة المؤمنة على ضعفها وفقرها وققتها مؤذيا أشد الأذى للنفوس، ولو كانت نفس رسول كريم. فكان اللَّه يواسي ويسرِّي عن نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ومن معه ويوصيهم بالصبر الجميل ويتولى الدفاع عنهم.
فالمفتون هو الممسوس وهو مصدر، بأي الفريقين الصحق. وسيكشف النص عن حقيته فقد تضمن (فتن) معنى (مسَّ) والمتعدي بالباء ولعله أكشف في الدلالة عن المراد، يظاهرنا عليه السياق، ودعوى مَسِّهِ بالجنون صورة من