صور الفتن كشف عنها عمرو بن هشام أبو جهل حين رمى قائد الدعوة بالجنون كما يفعل السُذج وهو يعلم بأنه في موضع الذؤابة من قومه، وعتبة حين جاء يساومه كتجار المبادئ يُدهنون لو يدهن، وهو أعلم الناس بمكانته، أما من ذهب إلى أن (الباء) بمعنى (في) فاطرحه ولا تعِجْ عليه ومن ادعى زيادتها نجيبه بقول المرادي: ما أمكن تخريجه على غير الزيادة لا يحكم عليه بالزيادة وتخريج كثير من هذه الشواهد ممكن على التضمين. اهـ.
وأشرف وجوه التأويل ما كان أجلى لبيان المعنى وأظهر. وبه أوْلى وأجدر. فالتضمين مرقاة إلى تدبر المعنى عند غموض الحال ولطف المدخل.
(أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ(22)
وقال: (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ(25)
ويتساءل الزمخشري: هلا قيل: اغدوا إلى حرثكم وما معنى على؟ قلت: لما كان الغُدُو إليه ليصرموه ويقطعوه كان عدوا عليه، كما تقول: عدا عليهم العدو، ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يُغدى عليهم بالجَفْنة وُيراح: أي فأقبِلوا على حرثكم باكرين. ومثله أبو حيان والجمل أي ضمّنه معنى (أقبلوا) .
وذكر الآلوسي: ويجوز أن يكون من: غدا عليه إذا أغار بأن يكون قد شبه غدوهم لقطع الثمار بغدو الجيش على شيء، لأن معنى الاستعلاء والاستيلاء موجود فيه وهو الصرم والقطع. وضمنه أبو السعود: الإقبال أو الاستيلاء، ومثله البروسوي. ثم قال: وزاد بعضهم أنه يتعدى بـ (على) كما في القاموس: غدا عليه غُدواً وغُدوة.
أقول: لا تضمين في الفعل لأنه يتعدى بـ (على) جاء في اللسان: غدا عليه غدوا وغُدوا بكر وغاداه وغدا عليه: باكره وهو المراد في الآية الكريمة. قال زهير:
ولقد غدوت على القنيص بسابحٍ ... مثل الوَذيلة جُرشُع لَأمُ
فهو يغدو على صيده باكراً بجواد خفيف كالفضة في صفائه وبريقه، ضخم الجنبين شديد وقال أيضا:
غدوت عليه غُدوة فوجدته ... قعودا لديه بالصريم عواذِلُه
ويروى بكرت عليه غُدوة. وقال الأعشى الكبير:
يروح فتى صِدقٍ ويغدو ... عليهم بمِلء جفان من سَديفِ يُدفق
يغدو عليه ويروح: أي بكرة وعشياً بجفان مملوؤة من شحم السنام يتدفق من غير انقطاع والغدو على الضيوف بالجفان ليس فيه معنى الغارة ولا معنى الاستعلاء، وفي الحديث:"فغدا علينا حين أصبح". فأي غارة في معنى الغدو في هذه الشواهد؟! وفي معجم الأفعال المتعدية بحرف غدا يغدو غدواً وغدوانا عليه: بكر ثم كثُر في الذهاب والانطلاق.