ومن لطائف ونكات تفسير مكي بن أبي طالب:
سورة الحاقة
(إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ(20)
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا به، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين أَخْذِ كتابه بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة على ربي.
قال ابن عباس: ظننت:"أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال:"ما كان من ظن الآخرة فهو علم"يريد من المؤمنين.
(فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت"مرضية"نعتاً للمعيشة؛ لأن ذلك مدح للعيشة، كما يقال:"ليل نائم"وسرٌّ كاتم"و"ماء دافق"، بمعنى"مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو الذم، ولو قلت:"رجل ضارب"بمعنى"مضروب"لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا ذم، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد."
(ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)
أي: اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعاً. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه.
وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره.
وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها ما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون ذراعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: {سَبْعُونَ ذِرَاعاً} "بذراع الملك {فَاسْلُكُوهُ} تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِمِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل."