فإن احتج محتج بأن الاستثناء ينفع بعد قطع المستثنى فيه ، والأخذ في
غيره ، فقد أغفل عندي ، لأن تداركه في هذا الموضع مخرج - إن
شاء الله - من المأثم ، لا أنه يرد شيئًا أخرجه المتكلم بلسانه فيصير غير
مقول إلا مع الاستثناء.
وقد أخبرنا بالحجة في هذا الفصل ، وأخبرنا عن خلله في سورة
الكهف ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.
قوله: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) ،
حجة على المعتزلة والجهمية في باب"الجعل"الذي يعدونه
خلقًا في جميع الأماكن ، فإن أعدوه هاهنا خلقًا كان أبلغ حجة عليهم ،
إذ يعترفون - بألسنتهم - أنه لا يخلق المسلم كالمجرم ، فمن خولف بينه
وبين غيره في الخلق لم يستطع أن يكون مثله في العقل ، لأن الخلق
هاهنا واقع على ما وقع عليه الاسم ، والاسم لم يقع على الصورة ،
إنما وقع على ما سُمي الشخصان به مسلمًا ومجرمًا.
وإن أعدوه غير خلق - وهو القول في هذا الوضع - رجعوا عن
إعدادهم إياه خلقًا في كل موضع.
وفي قوله: (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ(37) ، دليل على أن لا
تكون الحجة إلا مقروءة مسطرة ، ولا تكون مخترعة متوهمة ، إذ لا
يكون المدروس إلا المسطور ، لا المشبه بالمسطور ، والله أعلم.
قوله: (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ(40 ) ) ، حجة في تصحيح الكفالة ،
وقد احتج بها الفقهاء قبلنا.
قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) ،
يتأوّله الجهمية والمعتزلة ، وكثير من أهل اللغة على الشدة ، والأمر العظيم.
ونحن لا ندفع أن الساق - في اللغة - قد يقع على الشدة ، غير أن
ما وقع على الشدة ، لا يحيل أن يقع على غيرها ، وهو عندنا في هذا
الموضع واقع على النور ، كذلك روي عن رسول ، الله صلى الله عليه
وسلم ، أنه قال في قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) قال:"عن نور"
عظيم فيخرون له سجدًا"."