فهذا هو القول ، ولا يكون هذا النور إلا نور الله - جل وعز - لأن
السجود لا يصلح إلا له ، ولا يدعى الخلق إلا إليه.
وقد ذكرناه بأتم من هذا في كتاب"الرد على الباهلي".
وقد حقق ذلك قوله: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ(43)
أنهم دعوا إلى السجود له - في دار الدنيا فامتنعوا ، بما سبق في قضائه عليهم أنهم لا يفعلونه ، فلم يستطيعوه في الدنيا ، ولا في الآخرة . وهذا حجة ثابتة عليهم في باب"الاستطاعة"، ألا ترى أنه قد أخبر - نصًّا - عنهم أنهم لا يستطيعون السجود ، لما يدعون إليه في الآخرة ، واستطاعه غيرهم ممن سبقت لهم منه الرحمة ، فاستطاعوه في الدنيا والآخرة.
قوله: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ(44) ،
حجة عليهم خانقة ، لأن الاستدراج - في اللغة - هو كالخديعة ،
كأنه يفعل بهم الشيء الذي يحسبونه خيرًا ، وهو في الحقيقة ضده ،
فقد أخبر الله - جل جلاله ، كما ترى - أنه سيستدرجهم من حيث
لا يعلمون ، ويملي لهم ، وقد حقق ذلك بقوله: (كَيْدِي مَتِينٌ) ، فهل بقي بعد هذا ارتياب ، لو أنصفوا من أنفسهم ،
وسلموا مقاليد معرفة هذا العدل إلى ربهم ، وأقروا على أنفسهم بجهلهم.
قوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ(46) ،
دليل على أن مواعظ آخذ نيل الدنيا زائلة عن القلوب ، غير نافعة للموعوظين ، وقد بينا في سورة"عسق"فأغنى عن تلخيصه في هذا الموضع.
(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) ،
دليل على أن في أحكام الله على عباده محيرًا ، تنبو عنه النفوس ، ولا تهش لها العقول ، فيحتاج النبي صلى الله عليه وسلم ، في جلالته ، ومعرفته ، بالله -
جل جلاله - أن يصبر عليها ، ويحمل نفسه على تجرع مرارتها ، ولا يستبطئ النصرعلى أعدائه ، فتضيق نفسُه من ذلك.
وفي إمهال الله - جل جلاله - الظالمين المفسدين في الأرض ،