الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَا تُطِعْ يَا مُحَمَّدُ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} .
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَدَّ الْمُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَوْ تَكْفُرُ بِاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ فَيَكْفُرُونَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَدُّوا لَوْ تُرَخِّصُ لَهُمْ فَيُرَخِّصُونَ، أَوْ تَلِينُ فِي دِينِكَ فَيَلِينُونَ فِي دِينِهِمْ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} قَالَ: لَوْ تَرْكَنُ إِلَى آلِهَتِهِمْ، وَتَتْرُكُ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ فِيمَا يَسْأَلُونَكَ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَدَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ لَوْ تَلِينُ لَهُمْ فِي دِينِكَ بِإِجَابَتِكَ إِيَّاهُمْ إِلَى الرُّكُونِ إِلَى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ فِي عِبَادَتِكَ إِلَهَكَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ شَبَّهَ التَّلْيِينَ فِي الْقَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ.
وَقَوْلُهُ: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ}
وَلَا تُطِعْ يَا مُحَمَّدُ كُلَّ ذِي إِكْثَارٍ لِلْحَلِفِ بِالْبَاطِلِ؛ {مَهِينٍ} : وَهُوَ الضَّعِيفُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَّهَ مَعْنَى الْمَهِينِ إِلَى الْكَذَّابِ، وَأَحْسِبُهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ إِذَا وُصِفَ بِالْمَهَانَةِ فَإِنَّمَا وُصِفَ بِهَا لِمَهَانَةِ نَفْسِهِ كَانَتْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ صِفَةُ الْكَذُوبِ، إِنَّمَا يَكْذِبُ لِمَهَانَةِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ.
عَنْ قَتَادَةَ: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} وَهُوَ الْمِكْثَارُ فِي الشَّرِّ.
وَقَوْلُهُ: {هَمَّازٍ}
يَعْنِي: مُغْتَابٍ لِلنَّاسِ يَأْكُلُ لُحُومَهُمْ.