فصل فِي أسرار ترتيب سور القرآن
قال الإمام أبو جعفر ابن الزبير:
سورة ن
لما تضمنت سورة الملك من عظيم البراهين ما تعجز العقول من استيفاء
الاعتبار ببعضه كالاعتبار بخلق السمماوات في قوله تعالى:"الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا"أي يطابق بعضها بعضا، من طابق النعل إذا خصفها طبقا
عن طبق، ويشعر هذا بتساويها في مساحة أقطارها ومقادير أجرامها والله
أعلم، ووقع الوصف بالمصدر ليشعر باستحكام مطابقة بعضها بعضا من
غير زيادة ولا نقص"مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ"
أي من اختلاف واضطراب في الخلقة أو تناقض، إنما هي مستوية مستقيمة، وجيء بالظاهر في قوله:"مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ"ولم يقل ما ترى فيه من تفاوت ليشعر أن جميع المخلوقات جار على هذا، كل شكل يناسب شكله لا تفاوت في شيء من ذلك ولا اضطراب، فأعطى الظاهر من التعميم ما لم يكن يعطيه الإضمار، كما أشعر خصوص اسم الرحمن بما في هذه الأدلة المبسوطة من الرحمة للخلائق لمن رُزْق الاعتبار، ثم نبه تعالى على ما يدفع الريب ويزيح الإشكال فقال:"فارجع البصر"
أي عاود البصر والتأمل مما تشاهده من المخلوقات
حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة، ولا يبقى معك في ذلك شبهة"فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ"أي صدوع وشقوق ثم أمر تعالى بتكرير البصر فيهن متصفحا
ومتمتعا، هل تجد عيبا أو خللا"يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا"