(فَصْلٌ: مِنْ رَوَائِعِ النُّكَتِ وَاللطَائِفِ فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ)
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ:
سورة الحاقة
قوله - تعالى -: (الْحَاقَّةُ(1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) ،
وارد - والله أعلم - على الاختصار، كأنه ينبه على عظم ما في
الحاقة من الأهوال، والشدائد لا على نفس الاسم، ويعظه بما فيها
يومئذ.
قوله: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ(4)
ولم يقل: (بالحاقة) كالدليل على ما قلناه، مما في الحاقة، من القوارع التي تقرع القلوب بالأهوال العظيمة، وهو أعلم.
قوله: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ(6) ،
أنث فعلها مع ثمود في أول الكلام مقدمه، وذكّر فعلها مؤخره، كما ترى، فهو دليل على سعة اللسان، وذكر للريح - وهي مؤنثة - صفتين، ذكَّر إحداهما على اللفظ وهي"الصرصر"وأنث الأخرى وهي"العاتية"فأي شيء يلتمس بعد هذا، وكيف يضيق المبتدعون عن هذا اللسان، حتى
يزعموا: أن الجعل ليس له إلا موضع واحد وهو الخلق، وأن الاسم
إذا وقع على شيء وجب أن يشبهه من جميع جهاته، وإلا أنكروه بالكلية،
وطلبوا له التأويلات المستنكرة.
ولو تدبروا الأمور بروية مستقيمة، وعقل ناقد، واستعانوا بالله على
معرفتها، وتبرأوا من الحول والقوة لأنعشهم الله، وبصَّرهم جلي ما
دق على أفهامهم، ووفقهم، وكشف لهم عما لبسته عليهم بدعتهم،
ودخولهم في الأشياء بأنفسهم، فخذلوا فيها.
قوله: (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ(7) ،
دليل على أن القوم واقع على الرجال والنساء، وإنما يقع على الرجال دون
النساء إذا أراده الموقع، لا أنه لا يقع على النساء - بتة -
إذ لا يشك أحد أن عادًا لم تهلك بالريح العاتية رجالهم دون نسائهم.
وتشبيههم صرعى بأعجاز النخل حجة في تشبيه الروحانيين بغيرهم،