وَلَوْ تَقَوَلَ عَلَينَا محمد ما لم نقله، أي: تكلف، أي: تقول من قبل نفسه ما لم يوح إليه.
قال المفسرون: لو تقول علينا محمد شيئاً من تلقاء نفسه لم نقله {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) } ذكروا في هذا قولين: أحدهما: أن اليمين هَاهنا بمعنى القوة والقدرة، وهو قول الفراء، والمبرد، (والزجاج) . وأنشدوا قول الشماخ:
إذَا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بالْيَمِينِ
وعلى هذا القول: (من) صلة في قوله: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ} قال الفراء: لأخذناه.
وقال ابن قتيبة: (اليمين هاهنا القوة، وإنما أقام اليمين مُقام القوة؛ لأن قوة كل شيء في ميامنه؛ وهذا قول ابن عباس في اليمين.
قال: ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر، وهو: أن هذا الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من تعاقب، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل: خذوا بيده، وأكثر ما يقوله السلطانُ والحاكم بعد وجوب الحكم: خذ بيده، (واسفع بيده) .
فكأنه قال: لو كذب علينا في شيء مما يلقيه إليكم عنَّا، لأمَرْنَا بالأخذ بيده، ثم عاقبناه بقطع الوتين. وإلى هذا المعنى ذهب الحسن.
وقال مقاتل: لأخذنا منه باليمين، يعني انتقمنا منه بالحق.
واليمين على هذا القول بمعنى الحق، كقوله تعالى: {قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} [الصافات: 28] ، أي: من قبل الحق، وكذلك قوله: {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} [الأعراف: 17] ، وقد مر مستقصى.
46 -قوله تعالى: {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) } الوتين: نياط القلب، وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، فإذا انقطع بطلت القوى، ومات صاحبه. وهذا قول جميع أهل اللغة، وأنشدوا (للشماخ) :
إذا بَلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلي ... عَرَابَةَ فاشْرَقي بِدَمِ الوَتِينِ