إننا ـ وبدراستنا هذه ـ لا نتصور أنفسنا أمام تلك النمطية الشخصية التي كانت تميز قصص وروايات القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، بحيث كانت الشخصية فيه كل شيء، منحت قداسة وسلطة مطلقتين على النص ..
إن الشخصية في القص القرآني هي تلك التي تظهر بوضوح، وتقدم بطريقة وصفية شاملة وتعمل على توجيه الأحداث، وهي ـ في صيرورتها ـ ما تفتأ تنمو وتتطور إلا وفق حركية الشخصية ونموها وتطورها. وهي بهذه الشاكلة تتقاطع مع الشخصية التقليدية. وفي الوقت نفسه هي أيضاً تلك الشخصية التي تتسم بالغموض والفوضى، بحيث لا يظهرها السرد إلا مبعثرة مجزأة، ولا تستكشف إلا بالعودة إلى بعض أجزائها المبثوثة عبر النسيج القصصي، وباستنطاق دلالاتها المختلفة. وهي بهذا يمكن تسميتها الشخصية الجديدة.
إن تلك المسميات التي كانت تلحق شخصيات الأعمال القصصية والروائية على حد سواء، ماهي إلا تجميد وتسكين لحركيتها عبر المدد السردي. ثم إن هذا التصنيف في حد ذاته لا يفعّل مقروئية القارئ، بل يتركه منجذباً ومشدوداً إلى التلقي الجامد الساكن مسلوباً إلى تحرك الشخصيات.
إن هذا التصنيف أصبح ضرباً من السخرية وجنساً من العبث:"والحق أنه من العسير تصنيف الشخصيات في أي عمل من الأعمال السردية إلى مركزية وثانوية وغير ذات شأن إطلاقاً، كما هو متعارف في النص السردي بمجرد المتابعة التي تقوم على الملاحظة".. وعلى هذا فكثيراً ما نجد شخصية واحدة تتقاطع فيها كل المسميات فهي ثانوية في هذا الحدث ورئيسية في ذاك وأخرى في الثالث. وهذا في عمل قصصي واحد. الأمر الذي جعلنا نلغي هذه المسميات ونقصيها من بحثنا هذا ...