(فصل: في ذكر الكهانة)
قال الحَلِيمي:
قال الله عز وجل: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} .
فإن قال قائل: ما الدليل على أن نبيكم لم يكن كاهناً؟ أرأيتم لو قيل لكم: إن الكهانة كانت فاشية في العرب وتحاكمهم إلى الكهان أمراً طاهراً وقد علم أن الجن تقدر من الصناعات ما لا يقدر عليه الإنس، وقد وصفهم الله - عز وجل - بذلك، فقال في قصة سليمان عليه السلام: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ} .
وقال: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ}
وجاء في الأخبار أنهم كانوا يعملون له في البحر ويبنون البنايات العظيمة التي لا يبني الناس مثلها، فلا يمكن أن تكون قوتهم على نظم الكلام كقوتهم على سائر الأعمال مع ما كان يذكره كل شاعر من كبار شعارهم، من أن له تابعة من الجن تلقيه وتعينه، وذلك موجود في أشعارهم، قد ذكروه واعترفوا به بل تبجحوا وافتخروا.
فيكون هذا القرآن من نظم الجن ومن نظم تابعة بينكم، يعني أن يكون وحياً إليه على لسان الملك، ويكون القتال الذي ينسبونه إلى الملائكة واقعاً من قبل الجن، وأن يكون مجيء الشجرة لما دعاها من قبل الجن إياها، وزجرهم إليه لها، وأن يكون حنين الجذع صوت جني عنده، لا صوته بالحقيقة، وكذلك كلام الذراع، أن تكون أخباره عن كثير من المغيبات لأنباء الجن بذلك، فيكون جميع أمره كهانة لا نبوة!
فالجواب: - وبالله التوفيق - أن هذا باطل، والنبي - صلى الله عليه وسلّم - أظهر أمراً وأبين حالاً والشواهد على نبوته وصدق دعوته أكثر وأبهر من أن تسوغ هذه المعارضة لأحد في أمره.
فأما ما يختص بالإبانة على أنه لم يكن كاهناً فعدة أشياء منها أنه يبرأ من الكهانة، فقال فيما قرأه على الناس حاكياً عن الله في وصف القرآن {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} .
وقال: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} .