الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَا شَأْنُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ قِبَلَكَ يَا مُحَمَّدُ مُهْطِعِينَ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْإِهْطَاعِ، وَمَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ {مُهْطِعِينَ} يَقُولُ: عَامِدِينَ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُهْطِعُ: الَّذِي لَا يَطْرِفُ
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: مَعْنَاهُ: مُسْرِعَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ}
يَقُولُ: عَنْ يَمِينِكَ يَا مُحَمَّدُ، وَعَنْ شِمَالِكَ مُتَفَرِّقِينَ حِلَقًا وَمَجَالِسَ، جَمَاعَةً جَمَاعَةً، مُعْرِضِينَ عَنْكَ وَعَنْ كِتَابِ اللَّهِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْعِزِينَ: الْعُصَبُ مِنَ النَّاسِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، مُعْرِضِينَ عَنْهُ، يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ.
[عَنِ] الضَّحَّاك: {عِزِينَ} قَالَ: حِلَقًا وَرُفَقَاءَ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْعِزِينَ: الْمَجْلِسُ الَّذِي فِيهِ الثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَالْمَجَالِسُ الثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ أُولَئِكَ الْعُزُونَ.
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ حِلَقًا»
وَوَاحِدُ الْعِزِينَ: عِزْوَةٌ، كَمَا وَاحِدُ الثِّبِينَ ثُبَةٌ، وَوَاحِدُ الْكُرِينَ كُرَةٌ. وَمِنَ الْعِزِينَ قَوْلُ رَاعِي الْإِبِلِ:
[البحر الكامل]
أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّ عَشِيرَتِي ... أَمْسَى سَوَامُهُمُ عِزِينَ فُلُولَا
وَقَوْلُهُ: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخُلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ}
يَقُولُ: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ جَنَّةَ نَعِيمٍ: أَيْ بَسَاتِينَ نَعِيمٍ يَنْعَمُ فِيهَا.