وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {أَنْ يُدْخُلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: يُدْخُلَ بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، غَيْرَ الْحَسَنِ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِهِ بِفَتْحِ الْيَاءِ، بِمَعْنَى: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يَدْخُلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ جَنَّةَ نَعِيمٍ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَهِيَ ضَمُّ الْيَاءِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: {كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ}
يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَطْمَعُ فِيهِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ جَنَّةَ نَعِيمٍ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ}
يَقُولُ جَلَّ وَعَزَّ: إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ مَنِيٍّ قَذِرٍ، وَإِنَّمَا يَسْتَوْجِبُ دُخُولَ الْجَنَّةِ مَنْ يَسْتَوْجِبُهُ مِنْهُمْ بِالطَّاعَةِ، لَا بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَكَيْفَ يَطْمَعُونَ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ وَهُمْ عُصَاةٌ كَفَرَةٌ.
عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّمَا خُلِقْتَ مِنْ قَذَرٍ يَا ابْنَ آدَمَ، فَاتَّقِ اللَّهَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا.
{إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ}
يَقُولُ: إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَنْ نُهْلِكَهُمْ، وَنَأْتِي بِخَيْرٍ مِنْهُمْ مِنَ الْخَلْقِ يُطِيعُونَنِي وَلَا يَعْصُونَنِي {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يَفُوتُنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ بِأَمْرٍ نُرِيدُهُ مِنْهُ، فَيُعْجِزَنَا هَرَبًا.
عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ كُلَّ سَنَةٍ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ كُوَّةٍ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ فِي كُوَّةٍ، لَا تَرْجِعُ إِلَى تِلْكَ الْكُوَّةِ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَلَا تَطْلُعُ إِلَّا وَهِيَ كَارِهَةٌ [1] ، تَقُولُ: رَبِّ لَا تُطْلِعُنِي عَلَى عِبَادِكَ، فَإِنِّي أَرَاهُمْ يَعْصُونَكَ، يَعْمَلُونَ بِمَعَاصِيكَ أَرَاهُمْ، قَالَ: أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:
[البحر الكامل]
حَتَّى تَجُرَّ وَتُجْلَدَ
قُلْتُ: يَا مَوْلَاهُ وَتُجْلَدُ الشَّمْسُ؟ فَقَالَ: عَضَضْتَ بِهَنِ أَبِيكَ، إِنَّمَا اضَّطَرَّهُ الرَّوِيُّ إِلَى الْجَلْدِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} قَالَ: هُوَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ وَمَغْرِبِهَا، وَمَطْلَعُ الْقَمَرِ وَمَغْرِبُهُ.
[1] لا يخفى ما فيه من بُعْدٍ، مع افتقاره إلى سند صحيح، والغالب في مثله أنه من الإسرائيليات، فإن صح به خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا به، وإلا فالأَولى التوقف عند خبر القرآن، والله أعلم.