ومن لطائف ونكات التفسير الوسيط لطنطاوي:
سورة نوح
(ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا(8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)
وقوله: {جِهَاراً} صفة لمصدر محذوف. أي: دعوتهم دعاء جهارا. أي: مجاهرا لهم بدعوتي، بحيث صارت دعوتي لهم أمامهم جميعا.
{ثُمَّ إني أَعْلَنْتُ لَهُمْ} تارة {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} تارة أخرى.
أي: أنه - عليه السلام - توخى ما يظنه يؤدي إلى نجاح دعوته، وراعى أحوالهم في ذلك، فهو تارة يدعوهم جهرا، وتارة يدعوهم سرا، وتارة يجمع بين الأمرين.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : ذكر أنه دعاهم ليلا ونهارا، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، فيجب أن تكون ثلاث دعوات مختلفات حتى يصح العطف؟
قلت: قد فعل - عليه السلام - كما يفعل الذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، في الابتداء بالأهوان والترقى في الأشد فالأشد، فافتتح بالمناصحة في السر، فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإِسرار والإِعلان.
ومعنى"ثم"الدلالة على تباعد الأحوال، لأن الجهار أغلظ من الإِسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما.
(وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا(24)
قال صاحب الكشاف:
قوله: {وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً} الضمير للرؤساء، ومعناه: وقد أضلوا كثيرا قبل هؤلاء الذين أمروهم بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام. . ويجوز أن يكون الضمير للأصنام، كقوله تعالى {إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً} الضمير للرؤساء، ومعناه: وقد أضلوا كثيرا قبل هؤلاء الذين أمروهم بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام. . ويجوز أن يكون الضمير للأصنام، كقوله تعالى {وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلاً} ؟
قلت: على قوله {رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي} على حكاية كلام نوح. . ومعناه: قال رب إنهم عصون، وقال: ولا تزد الظالمين إلا ضلالا.
«فإن قلت» : كيف جاز أن يريد لهم الضلال، ويدعو الله بزيادته؟
قلت: لتصميمهم على الكفر، ووقوع اليأس من إيمانهم. . ويجوز أن يريد بالضلال: الضياع والهلاك.
(إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا(27)
قال الجمل:
«فإن قيل» : كيف علم نوح أن أولادهم يكفرون؟
أجيب: بأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فعرف طباعهم وأحوالهم، وكان الرجل منهم ينطلق إليه بابنه ويقول له: احذر هذا - أي نوحا - فإنه كذاب، وإن أبى حذرنى منه، فيموت الكبير، وينشأ الصغير على ذلك.
وعلى أية حال فالذي نعتقده أن نوحا - عليه السلام - ما دعا عليهم بهذا الدعاء، وما قال في شأنهم هذا القول - وهو واحد من أولى العزم من الرسل - إلا بعد أن يئس من إيمانهم، وإلا بعد أن أخبره ربه: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وإلا بعد أن رأى منهم - بعد ألف سنة إلا خمسين عاما عاشها معها -
أنهم قوم قد استحبوا العمى على الهدى، وأن الأبناء منهم يسيرون على طريقة الآباء في الكفر والفجور. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي} ...