ومن لطائف ونكات تفسير مكي بن أبي طالب:
سورة نوح - عليه السلام -
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ...(4)
أي: يسترها عليكم، فلا يعاقبكم بها إن أطعتموني.
و"مِنْ"بمعنى"عَنْ"أي: يغفر لكم عن ذنوبكم، كما تقول: وجع بطني من الطعام، أي: عن الطعام.
وإذا كانت"مِنْ"بمعنى"عن"لم تدل (على) على التبعيض.
وقيل:"من"للتبعيض والمعنى: يغفر لكم منها ما وعدكم العقوبة عليه وهو معظمها، وهو الشرك به، ولا يحسن أن تكون"مِن"زائدة؛ لأنها لا تزاد في الإيجاب.
ولا يجوز أن تكون لبيان الجنس؛ لأنه لم يتقدم جنس فتبينه بما بعده.
(وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا(16)
أي: في السماوات.
قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟
فقيل في ذلك: إن هذا الكلام مجاز، إنما قال: (فيهن) يريد: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بن يميم، وإنما أتى بعضهم، وتقول: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة.
وقيل: معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: {ادخلوا في أُمَمٍ} [الأعراف: 38] .
وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني من الثياب المعلمة، وإن كنت إنما أعلمت أحدها.
وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤها في الأرض.
وقال عبد الله بن عرمون بن العص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ...} الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: (فيهن) بعدما مضى الكلام.