(فصل: من اللطائف الفقهية)
قال الزركشي:
[مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ]
تَارَةً تَقْتَضِي مُقَابَلَةَ الْآحَادِ بِالْآحَادِ نَحْوَ رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} وَنَحْوَ أَكَلَ الزَّيْدَانِ الرَّغِيفَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَكَلَ رَغِيفًا.
وَقَدْ يَقْتَضِي مُقَابَلَةَ الْكُلِّ لِكُلِّ فَرْدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238] وَقَوْلِهِ {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] فَذَكَرَ الْمَرَافِقَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ وَلِكُلِّ يَدٍ مِرْفَقٌ فَصَحَّتْ الْمُقَابَلَةُ وَلَوْ قِيلَ: إلَى الْكِعَابِ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ"بِأَنَّ"لِكُلِّ رِجْلٍ كَعْبًا وَاحِدًا فَذَكَرَ الْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِيَتَنَاوَلَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ كُلِّ رِجْلٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجِبَ إلَّا غُسْلُ يَدٍ وَاحِدَةٍ"وَرِجْلٍ وَاحِدَةٍ"
قُلْنَا: صَدَّنَا عَنْهُ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"وَإِجْمَاعُ"الْأُمَّةِ.
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا"كَثِيرٌ"مِنْ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَمِنْ الْفُرُوعِ الْمَذْهَبِيَّةِ.
فَمِنْ الْأَوَّلِ: قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] .
الْآيَةَ هَلْ الْمُرَادُ تَوْزِيعُ"جَمِيعِ"الصَّدَقَاتِ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَصْنَافِ"أَوْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّدَقَاتِ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَصْنَافِ".
وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الْأَصْنَافِ"بِكُلِّ"صَدَقَةٍ صَدَقَةٍ أَوْ يَكْفِي وَضْعُهَا فِي صِنْفٍ.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَعْلِيلِ مَسْحِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ «إنِّي أَدْخَلْتهمَا طَاهِرَتَيْنِ» هَلْ"أَنَّهُ أَدْخَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ"قَدَمَيْهِ"الْخُفَّ"وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَاهِرَةٌ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَدْخَلَ كِلَا الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَكُلُّ قَدَمٍ فِي"حَالِ"إدْخَالِهَا"الْخُفَّ طَاهِرَةٌ"وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ مَا إذَا غَسَلَ رِجْلًا وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ثُمَّ"غَسَلَ"الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ تَوْزِيعِ الْفَرْدِ عَلَى الْجُمْلَةِ امْتَنَعَ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ فِي
حَالِ إدْخَالِ الرِّجْلِ الْأُولَى الْخُفَّ لَمْ تَكُنْ الرِّجْلَانِ طَاهِرَتَيْنِ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ تَوْزِيعِ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ صَحَّ، وَبِالثَّانِي قَالَ الْمُزَنِيّ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ. انتهى انتهى {المنثور في القواعد الفقهية، للزركشي} ...