(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
سورة نوح
{وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ ... (7) }
فقد عبر هنا بالأصابع في الآيتين وأراد الأنامل من باب إطلاق لفظ الكل على الجزء مجازًا مرسلًا علاقته الكلية.
والسر البلاغي في العدول عن الحقيقة إلى المجاز في الآية المبالغة في إعراضهم عن الحق في سورة نوح - عليه السلام.
(فائدة)
الأمر الثاني من مزايا المجاز المرسل: المبالغة كما تجد ذلك في قول الله تعالى: {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} (نوح: 7) فقد ذكرت الأصابع في موضع الأنامل؛ مبالغة في تعطيل أسماعهم لشدة عتوهم ونفورهم وإعراضهم عن الحق.
{وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) }
ففي إضافة الإنبات إلى ضمير المخاطبين قرينة دالة على أن المراد بهذا اللفظ اعتبار ما كان؛ لأن المخاطبين خلقوا من نطف آبائهم، وإنما خوطبوا بهذه الصورة من المجاز تذكيرًا بالأصل حتى يدركوا قدرة الله - عز وجل - على البعث، فالذي خلق الإنسان من تراب قادر على بعثه من جديد.
{مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا ... (25) }
ينقسم الطباق باعتبار الظهور والخفاء إلى ظاهر - وقد مر الحديث عنه - وخفي وقد اكتفى الخطيب بهذا الاسم، وذكر للطباق الخفي شاهدين كما في قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} (نوح: 25) ، وذكر أن الطباق هنا بين: {أُغْرِقُوا} و"أدخلوا نارًا". وفي قول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتَا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل
قال: طابق بين هاتا وتلك.